غياب الضمائر أم تعثّر الإرادة؟.. بناء الإنسان طريق نهضة المجتمع
بقلم: الكاتب محمد عبدالله
نعم، نحن بحاجة إلى التوازن والثقة في قدراتنا، وإلى اليقين بأننا قادرون على خوض معترك المستقبل، مسلحين بالإيمان بالحق والمسؤولية، وطامحين إلى غدٍ تتراجع فيه السلبيات، ونتجاوز أخطاء الماضي التي لا يمكن أن تعود بنا إلى الوراء.
لكن هل يكفي أن نحلم بغدٍ أفضل، أم أن المستقبل يحتاج إلى إرادة حقيقية وخطط واضحة وعمل لا يعرف التراجع أو التكاسل؟
إن المستقبل ليس أمنية معلقة في الهواء، بل واقع نصنعه بالعلم والعمل والتخطيط، وبمنظومة فكرية لا تقبل الجمود أو الاستسلام. فهناك تحديات متسارعة، وأفكار دخيلة تنجح أحيانًا في التأثير على العقول وفرض أنماط من التفكير والسلوك، وهو ما يفرض علينا مراجعة أنفسنا وتطوير أدواتنا الفكرية والثقافية.
إن الإنسان يحتاج إلى نظرة فلسفية شاملة تعيد إليه إدراك قيمة ذاته، وتدفعه إلى إصلاح أفكاره وتطوير شخصيته، بدلًا من الاستسلام للأهواء أو الاتكالية أو تجنب معارك الإصلاح الذاتي. فليس كافيًا أن نمتلك الإرادة في داخلنا، بل يجب أن نحولها إلى فعل وسلوك وطموح مستمر نحو الأفضل.
العقل والعلم والتدبر والقرار، كلها عناصر ترسم ملامح المصير، وتساعد الإنسان على الاختيار السليم، وفهم النفس البشرية، وتدارك الأخطاء. وهذه جميعها تدخل في إطار علم الإنسان وتطوير قدراته.
الإنسان هو محور الحدث
هل الإنسان هو محور الحدث؟ بالتأكيد، فلا يمكن تحقيق تقدم حقيقي في أي مجال دون الارتقاء بالعقل البشري علميًا وثقافيًا وفكريًا، وتأهيله لمواكبة المتغيرات المتلاحقة.
علينا أن نعترف بأننا ما زلنا في كثير من الأحيان أسرى للماضي، نستدعي أمجاد الحضارات والتاريخ، ونردد أننا أصحاب علوم ومعارف عريقة، بينما لا نبذل الجهد الكافي لتحويل هذا الإرث إلى إنجازات معاصرة.
إن استعادة مكانتنا لا تكون بالاكتفاء بالفخر بالماضي، بل بالعمل على صناعة مستقبل يليق بتاريخنا. نحن بحاجة إلى ثورة تصحيح للمفاهيم تبدأ من داخلنا، وإلى يقين بأن الإنسان خُلق لرسالة وغاية، وليس للعبث أو التواكل أو التراخي.
فالعلم والإيمان والعمل المسؤول يجب أن تكون ركائز أساسية في بناء الشخصية، والإنسان يظل محور أي نهضة حقيقية.
القيم والأخلاق في مواجهة تحديات العصر
لكل أمة منظومة من القيم والمبادئ، تستمد جانبًا مهمًا منها من تعاليم الأديان السماوية، وتدعمها الخبرات الإنسانية ومكتسبات العلم والمعرفة.
وتظهر قيمة هذه المنظومة في السلوك والضمير واحترام الآخر، وفي قدرتها على توجيه المجتمع نحو التقدم والرقي.
لكن كيف يمكن لهذه القيم أن تؤثر في واقعنا، ونحن نعيش عصرًا تتسارع فيه المتغيرات، وتتداخل فيه الثقافات، وتتطور فيه العلوم والتكنولوجيا بصورة غير مسبوقة؟
الإجابة تبدأ بالعمل الدؤوب، دون كلل أو ملل. فقد أضعنا سنوات طويلة دون رؤية مستقبلية واضحة بالقدر الكافي، وأصبح من الضروري أن نستعيد ثقتنا في قدراتنا، وأن نستثمر في العلوم والأبحاث والتطوير، حتى نفتح أمام أجيالنا الجديدة أبواب الأمل والرخاء.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو: ماذا لو كنا جميعًا قد اجتهدنا، واستثمرنا وقتنا وطاقاتنا في بناء الإنسان والمجتمع؟
تطوير الإنسان لا يأتي بالمصادفة
إن تطوير الإنسان لا يحدث صدفة، ولا يتحقق بالشعارات أو الأمنيات، وإنما يحتاج إلى خطط شاملة ورؤية واضحة، تدرك أن الفرد جزء من مجتمع كبير، وأن نجاح المجتمع يرتبط بمدى قدرته على تجاوز التخاذل والجمود والتفكير في المستقبل.
لقد أصبح لزامًا علينا وضع أسس حقيقية للتقدم، ومواكبة ركب الحضارة الذي لا يتوقف، من خلال تطوير أنفسنا ومؤسساتنا قبل فوات الأوان.
ومن أهم المحاور التي يمكن البناء عليها:
1- تحديث منظومة التعليم
تطوير التعليم بما يتناسب مع التخصصات الحديثة واحتياجات سوق العمل، مع الاهتمام بالمعلم ماديًا ومهنيًا واجتماعيًا، وتوفير بيئة تساعده على أداء رسالته وتخريج أجيال قادرة على خدمة المجتمع والوطن. كما يجب البحث عن حلول جذرية لمشكلة التسرب من التعليم، من خلال مبادرات غير تقليدية تراعي ظروف الطلاب وأسرهم.
2- الاهتمام بالإنسان وتأهيله
الاهتمام بالفرد وتأهيله ليكون قادرًا على خدمة نفسه ووطنه، مع توفير الدعم الاجتماعي والثقافي والنفسي عند الحاجة، من خلال متخصصين ومؤسسات قادرة على تقديم الرعاية المناسبة.
3- بناء النشء على القيم والقدوة الحسنة
إعداد برامج تربوية وثقافية تناسب احتياجات الأطفال، وتسهم في تنمية قدراتهم، وتقديم نماذج إيجابية للقدوة الحسنة، وفي مقدمتها القدوة الدينية القائمة على التسامح والرحمة وحسن التعامل مع الآخرين واحترام المجتمع.
4- إعادة تطوير المناهج الدراسية
إعادة النظر في المناهج لتواكب تطور الفكر واحتياجات الطفل في عصر العولمة، وتقديم محتوى علمي مبسط يساعد على الفهم والتحليل والإدراك، بدلًا من الاعتماد على الحفظ والتلقين وحدهما.
5- تعزيز السلوك الإيجابي داخل المؤسسات التعليمية
تفعيل الحوافز المعنوية داخل المدارس والجامعات، وتشجيع الطلاب على المشاركة المجتمعية والأدوار الإيجابية، وترسيخ قيم الانضباط والتعاون واحترام الآخرين.
6- اكتشاف المواهب ورعايتها
البحث عن المواهب في مختلف المجالات العلمية والثقافية والفنية، والعمل على صقلها بالتدريب والدراسة، وتحفيز أصحابها على الإبداع، وربط قدراتهم بتطبيقات عملية تفيد المجتمع.
7- نشر ثقافة احترام القانون والسلوك العام
تعزيز ثقافة احترام القانون والالتزام بالواجبات العامة، وتوضيح الحقوق والمحاذير والعقوبات المرتبطة بالمخالفات، مع إطلاق حملات توعية تصل إلى المناطق النائية، وتدريب كوادر محلية قادرة على نقل المعلومات والتثقيف المجتمعي.
8- الارتقاء بالمحتوى الفني والأدبي
تفعيل دور المؤسسات المعنية بالرقابة والتصنيف الفني والأدبي، مع تشجيع الأعمال التي ترتقي بالذوق العام وتحترم القيم المجتمعية، وفتح المجال أمام النقد البناء الذي يوضح أوجه القصور ويساعد المبدعين على تطوير أعمالهم.
9- تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني
تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني، والتعريف بخدماتها وآليات الاستفادة منها، حتى يدرك المواطن الجهات التي يمكنه اللجوء إليها عند الحاجة، وتصبح هذه المؤسسات شريكًا حقيقيًا في دعم المجتمع وتنميته.
10- تعزيز الوعي بالإنجازات ومواجهة المشكلات بشفافية
إبراز ما تحقق من إنجازات ومشروعات بصورة واضحة وموثقة، وتصحيح المعلومات المغلوطة لدى المواطنين، مع ضرورة المصارحة بالمشكلات والتحديات القائمة، وطرح حلول عملية تستند إلى دراسات وخطط قابلة للتنفيذ والتقييم، بما يحقق عائدًا ملموسًا على الفرد والمجتمع.
المواطنة أساس بناء المجتمع
يجب كذلك ترسيخ مبدأ المواطنة، بما يتضمنه من حقوق وواجبات متساوية، والعمل على إظهار قدرة الإنسان المصري على مواجهة الصعاب والتحديات، ليكون نموذجًا إيجابيًا في الإرادة والعمل والإبداع.
فالفرد هو نواة المجتمع، وهو أحد أهم عناصر صياغة القيم والتشريعات وتنفيذ القانون والالتزام به. وحين يؤدي الإنسان دوره بإخلاص ووعي ترتقي الأمة وتعلو، أما حين يسود التراخي والعبث واللامبالاة، فإن المجتمع يدفع ثمن ذلك تراجعًا واضطرابًا وضعفًا في مواجهة التحديات.
وهنا تكمن خطورة الأمر؛ فالمجتمعات التي تهمل بناء الإنسان تصبح أكثر عرضة للتأثر بالأفكار السلبية والاستقطاب وفقدان الثقة في قدراتها.
وأخيرًا، فإن نهضة الأوطان لا تبدأ من الشعارات، بل من إنسان واعٍ، وعقل متعلم، وضمير حي، وإرادة قادرة على تحويل الأفكار إلى إنجازات.
فلنبدأ ببناء الإنسان، لأنه محور التنمية وغايتها، والطريق الحقيقي نحو مستقبل أفضل.
تحيا مصر 🇪🇬

