الحلقة 53 من «شهداء الواجب».. الملازم أول كريم سالم درويش.. بطلٌ ترك خلفه سيرةً من الرحمة والفداء
توثيق: د. أحمد علي عطية الله
لم تكن البطولة في حياة الشهيد البطل الملازم أول كريم سالم درويش مرتبطة فقط بارتداء الزي العسكري وحمل السلاح، بل بدأت منذ طفولته، في قلبٍ رحيم، ويدٍ تمتد لمساعدة المحتاج، وروحٍ لا تعرف إلا الخير. وحين اختار طريق الخدمة العسكرية، حمل معه تلك الصفات إلى ميادين الواجب، حتى ارتقى شهيدًا في مواجهة الإرهاب، تاركًا وراءه سيرة عطرة يرويها أهله ورفاقه بكل الحب والفخر.
في الحلقة الثالثة والخمسين من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»، يوثق الدكتور أحمد علي عطية الله حكاية الشهيد البطل الملازم أول كريم سالم درويش، أحد أبناء محافظة المنوفية، الذي استشهد في التاسع من أبريل عام 2016، وفقًا للرواية الواردة في مادة التوثيق، بعد أن أدى واجبه في الدفاع عن الوطن.
طفل هادئ وقلب كبير
وُلد كريم سالم درويش في أكتوبر عام 1994، وكان الخامس بين إخوته، ونشأ في أسرة ارتبطت بالحياة العسكرية؛ فوالده ضابط بالقوات المسلحة، ووالدته موظفة.
وتستعيد والدته ذكرى ميلاده، فتحكي أنه جاء إلى الدنيا هادئًا على غير المتوقع، وأن القلق انتاب الطبيبة في البداية، قبل أن تطمئن إلى أنه بخير. ومنذ طفولته، كان كريم يتمتع بملامح هادئة وروح محببة، جعلت كل من يراه يشعر بقربه منه.
التحق بمدرسة عمر بن عبد العزيز في قريته، وتعلم القرآن الكريم وحفظ بعضًا منه. ولم تكن محبته للخير مجرد كلمات، بل ظهرت في تصرفاته اليومية؛ إذ اعتاد مشاركة طعامه ولبنه مع القطط والكلاب، في صورة مبكرة لرحمة ظلت ملازمة له حتى شبابه.
وكان كريم محبوبًا بين أطفال قريته وجيرانه، ولم يكن يتردد في مساعدة كبار السن. وتحكي والدته عن جارة كانت تجد صعوبة في حمل أغراضها، فكان إذا رآها تحمل شيئًا، بادر إلى مساعدتها وتوصيل أغراضها حتى باب بيتها.
وكان يفرح بدعائها له، ويتمنى أن تتوفر لكل الناس وسائل حياة أكثر راحة، حتى لا يضطر أحد إلى المعاناة في المواصلات أو مشقة الطريق.
وتؤكد والدته أنه كان شديد الشهامة، يحترم الكبير، ويهتم بمن حوله، ولا يقبل أن يجلس في المواصلات بينما يقف شخص مسن أو امرأة بحاجة إلى مقعد. هكذا عرفه أهله وجيرانه: شابًا يجمع بين خفة الروح ونبل الأخلاق والشعور بالآخرين.
من حلم الكلية الحربية إلى طريق المقاتلين
بعد انتهاء المرحلة الابتدائية، انتقل كريم إلى المرحلة الإعدادية، ثم الثانوية العامة، وكان حلم الالتحاق بالكلية الحربية يرافقه طوال سنوات دراسته.
وبعد أن تحقق حلمه وقُبل بالكلية، لم تكن فرحته لنفسه وحدها؛ فقد تأثر بحزن زملائه الذين لم تصلهم رسائل القبول، في موقف يعكس ارتباطه بأصدقائه وحرصه على مشاعرهم.
واجه خلال دراسته العسكرية مشقة التدريب والانضباط، وانتقل من حياة الشاب المرح الذي لا تفارق الابتسامة وجهه إلى حياة المقاتل الملتزم بواجباته ومسؤولياته.
وتروي أسرته أنه عندما هنأه شقيقه عقب التخرج قائلًا: «مبروك.. خلاص بقيت ضابط»، أجابه كريم بما بقي عالقًا في ذاكرة أسرته: «بقيت مقاتل.. بقيت شهيد».
كانت كلمات مؤثرة استعادتها الأسرة بعد استشهاده، خاصة أنه اختار ضمن رغباته الخدمة في سيناء، حيث كانت المواجهة مع العناصر الإرهابية تمثل تحديًا كبيرًا للقوات المسلحة.
وكان كريم معروفًا بين زملائه في دفعته، الدفعة 109، التي ارتبطت في ذاكرة رفاقه بحكايات الفداء والتضحية.
كلمات عن الشهادة.. وذكرى رفيق سبقه إليها
تروي والدة كريم أنه تأثر بشدة عندما استشهد زميله أحمد زهران، الذي تصفه الأسرة بأنه أول شهيد في الدفعة. وكتب كريم على صفحته كلمات عبّرت عن نظرته إلى التضحية، وجاء فيها أن الضابط يُزف ثلاث مرات: يوم التخرج، ويوم الزواج، ويوم الاستشهاد، وأن زهران لم يمت، بل أصبح عريسًا.
وأضاف في عبارته التي تداولتها أسرته: «وإن شاء الله يا نجيب حقه يا نحصله».
وبعد شهرين تقريبًا، كما تروي والدته، لحق كريم برفيقه شهيدًا.
وتستعيد الأم حديثًا دار بينهما قبل استشهاده؛ إذ قال لها إنه يتمنى أن تفرح به شهيدًا. فغلب عليها الخوف، وسألته عن سبب حديثه بهذه الطريقة، لكنه أجابها بأن الشهادة منزلة عظيمة، ثم حاول تهدئتها، مؤكدًا أن كل شيء بيد الله.
وتقول والدته إنها كانت تقلق عليه، وتوصيه بالحذر، بينما كان يطمئنها بكلمات تعكس إيمانه وقناعته بأن الإنسان يؤدي واجبه، وأن الأقدار بيد الله.
كما روت أنه حكى لها ذات مرة عن منام رأى فيه أنه أُصيب بطلق ناري في قلبه، وأنه استيقظ وهو يشعر بألم الإصابة. وقد حاولت الأم تهدئته، وربطت ما رآه بما يمر به من تدريبات عسكرية.
وبقيت هذه الذكريات حاضرة في وجدان الأسرة بعد رحيله، لا باعتبارها دليلًا على ما سيحدث، بل بوصفها تفاصيل شخصية زادت وقع الفقد في قلوب من أحبوه.
آخر إجازة.. ووداع لم تعرف الأسرة أنه الأخير
تقول والدة الشهيد إن آخر إجازة قضاها كريم كانت مع والده في مستشفى العجوزة، حيث كان والده قد أجرى عملية جراحية. وبعد الخروج من المستشفى، كان كريم يستعد للعودة إلى مقر خدمته.
وتضيف أنه تواصل مع قائده وطلب تمديد إجازته يومًا إضافيًا، فحصل على يومين قبل أن يعود إلى وحدته. وبعد نحو أسبوعين من سفره، جاء الخبر الذي غيّر حياة الأسرة إلى الأبد.
وبحسب رواية والدته، كان كريم برفقة عدد من زملائه في مهمة لتوفير مياه الشرب، بعدما حالت خطورة الوضع في المنطقة دون خروجهم لفترة. وبعد أن تمكنوا من الوصول إلى محطة المياه وملء الخزان، عادوا إلى الكمين، ثم خرجوا مرة أخرى لإحضار المياه.
وخلال عودتهم، تعرضوا لإطلاق نار من عناصر إرهابية، ما أسفر عن استشهاد كريم والنقيب المرافق له وجنديين مجندين، وفقًا لما نقلته الأسرة عن ظروف الحادث.
وتروي والدته أن كريم أصيب بثلاث طلقات في الرأس والقلب، وأنه واجه المهاجمين أثناء أداء واجبه. كما نقلت عن زملائه أنه تعامل مع الموقف حتى نفدت ذخيرته، قبل أن ينال الشهادة.
كانت لحظات المواجهة الأخيرة بعيدة عن أعين أسرته، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرتهم من خلال روايات رفاقه، الذين تحدثوا عن شجاعته ومواقفه في أثناء الخدمة.
جرس الهاتف.. اللحظة التي انكسر فيها قلب الأم
في يوم السبت الموافق 9 أبريل 2016، رن هاتف والد كريم. وتروي والدته أنها أسرعت إليه، معتقدة أن المتصل هو ابنها الذي اشتاقت إليه، لكنها فوجئت بصديق لوالده يسألها عما إذا كانوا قد علموا بما حدث لكريم.
وعندما أصرت على معرفة الحقيقة، قال لها: «البقاء لله»، ثم أنهى المكالمة.
تصف الأم تلك اللحظات بأنها من أصعب أيام حياتها؛ فقد بدأت تردد الدعاء والشهادة، بينما كان والد كريم يعاني من المرض، ولم تكن الأسرة قد استوعبت بعد أن ابنها الذي خرج لأداء واجبه لن يعود إلى البيت مرة أخرى.
وتتابع أن البيت امتلأ بالأهل والجيران والمحبين، وأن القرية كلها شاركت الأسرة حزنها على الشاب الذي عرفه الجميع بالشهامة والرحمة وحسن الخلق.
لكن الأم، وسط ألم الفراق، تمسكت بمعنى ظل يرافقها منذ رحيله؛ فقد كانت تنظر إلى ابنها باعتباره عريسًا زُف إلى الشهادة، مستحضرة الكلمات التي كتبها عن رفيقه أحمد زهران.
شهادة زملائه.. رحمة في المواقف الصعبة
لم تكن حكايات كريم عن الخير مجرد ذكريات أسرية؛ فقد نقل رفاقه مواقف متعددة تكشف عن شخصيته الإنسانية أثناء الخدمة في سيناء.
وتروي الأسرة أن أحد زملائه تحدث عن موقف جمعهما أثناء التيه في المنطقة برفقة زميلين آخرين، قبل أن يتعرف إليهم كريم ويستقبلهم بحفاوة، ويوفر لهم الطعام والشاي، ويستضيفهم حتى تمكنوا من العودة إلى المكان المخصص لهم.
كما حكى أحد المجندين الذين خدموا معه عن مهمة لتفتيش أحد المنازل بحثًا عن مهربين، لم يجدوا فيه سوى أم وأطفال صغار. وعندما علم كريم أن الأسرة تعيش ظروفًا صعبة وأن الأطفال أيتام، بادر إلى منحهم جزءًا من طعامه.
وحين سأله زملاؤه عن طعامه هو، أصر على أن مساعدة الأسرة أهم، قبل أن يقرروا تقاسم الطعام معه والمشاركة في الأجر.
وتذكر الأسرة أيضًا أنه كان يحرص على مساعدة أطفال سيناء، ويمنحهم بعض الأطعمة والحلوى عندما يصادفهم أثناء تحركاته، تعبيرًا عن تعاطفه مع أحوالهم.
هذه المواقف، كما نقلها زملاؤه، ترسم صورة شاب لم يفقد إنسانيته وسط مشقة الحياة العسكرية؛ فكان حازمًا حين يتطلب الواجب الحزم، ورحيمًا حين يرى إنسانًا يحتاج إلى العون.
صدقة أخيرة.. وذكرى باقية في قلوب أهل قريته
ومن أكثر المواقف التي توقفت عندها الأسرة، ما روته والدته عن آخر جمعة صلى فيها كريم في قريته قبل عودته إلى مقر خدمته.
فقد تبرع بمبلغ مالي، وطلب من شيخ المسجد المساعدة في إنشاء مغسلة للموتى داخل المسجد، في عمل خيري لم تكن أسرته تعرف تفاصيله إلا بعد استشهاده.
وتقول والدته إن شيخ المسجد حضر لتقديم واجب العزاء، وكشف للأسرة عن أعمال خير كان كريم يقوم بها في صمت، من دون أن يتحدث عنها أو ينتظر شكرًا من أحد.
كما نقل أحد المدرسين في القرية، بحسب رواية الأسرة، أنه كان يرى في كريم قدوة يتمنى أن يصبح مثلها، قبل أن يتحدث عن رؤيا رآه فيها في مكان جميل.
وتروي الأسرة كذلك أن بعض المقربين منها تحدثوا عن رؤى رأوا فيها الشهيد في أحوال طيبة. وتظل هذه الحكايات جزءًا من ذكريات العائلة وإيمانها الذي تستمد منه الصبر، بينما تبقى مكانة الشهداء عند الله أمرًا لا يعلمه إلا هو سبحانه.
تكريمات تخليدًا لاسم البطل
تؤكد أسرة الشهيد أنها تلقت تكريمات متعددة تقديرًا لتضحيته، من بينها تكريمات خلال ندوات تثقيفية، وتكريم من محافظة المنوفية، إلى جانب تكريمات أخرى في محافظتي السويس والإسماعيلية.
وتبقى هذه التكريمات، بالنسبة إلى أسرته، إشارات تقدير لتضحية ابنها، لكنها لا تعوض غيابه، ولا تمحو ألم الأم التي فقدت ابنها في ريعان شبابه.
كريم سالم درويش.. سيرة من الرحمة والشجاعة
تقدم حكاية الشهيد الملازم أول كريم سالم درويش نموذجًا لشاب جمع بين الشجاعة العسكرية والرحمة الإنسانية؛ أحب أسرته وأصدقاءه وجيرانه، ومد يد العون للمحتاجين، ثم أدى واجبه الوطني في ظروف بالغة الخطورة.
لقد ترك كريم وراءه ذكريات لا تزال حية في قلوب أهله ورفاقه، وشهادة على أن أثر الإنسان لا يقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بما يتركه من خير ومواقف نبيلة.
وفي الحلقة الثالثة والخمسين من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»، يوثق الدكتور أحمد علي عطية الله سيرة بطل من أبناء مصر، ارتبط اسمه بالتضحية والفداء، وبقيت حكايته شاهدًا على ما قدمه رجال القوات المسلحة في مواجهة الإرهاب دفاعًا عن الوطن.
رحم الله الشهيد البطل الملازم أول كريم سالم درويش، وجميع شهداء مصر، وحفظ الوطن وأهله من كل سوء.

