«الوتد».. ثلاثون عامًا على حكاية الأم التي كانت تسند بيتًا كاملًا.. لماذا لم تغب فاطمة تعلبة عن ذاكرة المصريين؟
كتبت: داليا حسام
فيه أدوار بنفتكرها بسبب أحداثها، وأدوار بنفتكرها بسبب أصحابها، وفيه أدوار نادرة بتفضل عايشة جوانا لأن الفنان قدر يحول الشخصية من مجرد حكاية مكتوبة إلى إنسان نحس إننا قابلناه قبل كده،
وعرفنا طباعه، وخفنا من زعله، واستنينا رضاه، ويمكن اختلفنا معاه، لكن ما قدرناش ننكر حضوره.
وده بالضبط اللي عملته هدى سلطان في شخصية فاطمة تعلبة بمسلسل «الوتد». فمنذ عرض المسلسل سنة 1996، والشخصية لسه حاضرة في الذاكرة،
مش بس باعتبارها نموذجًا للأم المصرية القوية، لكن باعتبارها واحدة من الشخصيات اللي قدمتها الدراما المصرية بملامح إنسانية وتفاصيل نفسية خلتها تتجاوز زمن عرضها.
السر هنا مش في قوة فاطمة تعلبة وحدها، ولا في قدرتها على إدارة شؤون أسرتها، لكنه في الطريقة اللي خلتنا بيها هدى سلطان نشوف القوة دي ونحس بيها. فالأم في أدائها مش مجرد امرأة بتصدر القرارات
، لكنها أم لها طريقتها الخاصة في الحب، وفي الخوف على أولادها، وفي التعبير عن غضبها، وحتى في صمتها لما تكون الكلمات مش كفاية.

هدى سلطان.. حين تصبح الشخصية أكبر من الحوار
اللي يلفت النظر في أداء هدى سلطان إنها ما اعتمدتش على الكلام وحده علشان تفرض حضور فاطمة تعلبة.
كان عندها وعي واضح بأهمية التفاصيل الصغيرة في بناء الشخصية؛ نبرة الصوت، ونظرة العين، وطريقة الاستماع، والتوقيت اللي تختار فيه تتكلم أو تسكت.
فاطمة تعلبة مش محتاجة في كل موقف تشرح للناس إنها صاحبة الكلمة، لأن هيبتها موجودة في طريقة حضورها نفسها.
أحيانًا يكفي رد فعل بسيط منها علشان نفهم إنها مش مقتنعة، وأحيانًا تكون نظرتها أبلغ من جملة طويلة.
وده من أصعب جوانب الأداء التمثيلي؛ إن الفنان يقدر يوصل للمشاهد إحساس الشخصية من غير ما يضطر يشرحه بشكل مباشر.
هدى سلطان ما قدمتش أمًا بتعلن قوتها في كل مشهد، لكنها قدمت امرأة قوتها جزء من تكوينها، وده فرق كبير بين شخصية مكتوبة على الورق وشخصية بتعيش على الشاشة.
والأجمل إن الهيبة ما ألغتش إنسانيتها. فاطمة مش حجر، ولا امرأة لا تعرف الخوف أو الضعف،
لكنها أم اتعودت تكون المسؤولة عن كل شيء، لدرجة إن إظهار احتياجها للآخرين ممكن يبدو غريبًا عليها.

أم واحدة.. لكن لكل ابن طريقة
من أجمل المساحات اللي أتاحها المسلسل لهدى سلطان هي علاقتها بأولادها؛ لأن الأم في الحقيقة مش بتتعامل مع كل أبنائها بالطريقة نفسها، حتى لو كانت بتحبهم جميعًا.
كل ابن له طبيعته، وله مكانته في قلبها، وله نقاط القوة والضعف اللي الأم بتعرفها بحكم العِشرة والسنين.
وده اللي بيخلينا نقرأ فاطمة تعلبة باعتبارها أمًا تعرف إنها مش بتتعامل مع مجموعة متشابهة من الأبناء،
لكنها بتتعامل مع شخصيات مختلفة، لكل واحدة منها حساباتها وطريقتها في الاستجابة لكلامها.
في تعاملها مع درويش، اللي جسده يوسف شعبان، تظهر العلاقة بين الأم وابنها الأكبر في مساحة تجمع بين الهيبة والارتباط العميق.
درويش رجل له مكانته، لكن علاقته بأمه تفضل محكومة بتاريخ طويل من التربية والتوجيه، وبوجود امرأة اعتادت أن تكون المرجع الأساسي للأسرة.
وهنا الأداء محتاج توازنًا دقيقًا؛ فهدى سلطان لا تقدم العلاقة باعتبارها مواجهة مستمرة بين أم وابنها،
لكنها تجعلنا نشعر إن وراء المكانة اللي وصل لها درويش أمًا كان لها دور كبير في تكوين عالمه،
وإن رابطة الأمومة تظل موجودة حتى لما يكبر الابن وتختلف مسؤولياته.
القوة هنا مش في إن الأم تنتصر على ابنها، لكنها في إن حضورها يظل مؤثرًا في حياته، حتى وهو يمتلك شخصيته ومكانته الخاصة.
ومع بقية الأبناء، تتسع صورة الأم التي تراقب التفاصيل، وتتابع الاختيارات، وتتعامل مع كل ما يخص الأسرة باعتباره شأنًا يعنيها.
فاطمة لا تنظر إلى حياة أولادها باعتبارها مجموعة حكايات منفصلة، لكنها ترى أن مصير كل واحد منهم ممكن ينعكس على الجميع.
وده يفسر إصرارها على التدخل، لكنه يكشف كمان عن جانب حساس في شخصيتها:
صعوبة الفصل بين كونها أمًا تخاف عليهم، وكونها صاحبة سلطة اعتادت أن يكون لها رأي حاسم في حياتهم.

الحنان الذي لا يحتاج إلى كلمات كثيرة
مش كل أم حنونة لازم تكون كثيرة الكلام، ومش كل تعبير عن الحب لازم ييجي في صورة حضن أو اعتراف مباشر.
أحيانًا الحنان بيظهر في الاهتمام بالتفاصيل، وفي الخوف من المستقبل، وفي الإصرار على توفير الأمان،
حتى لو الطريقة نفسها كانت شديدة أو قاسية في نظر الآخرين.
هدى سلطان قدمت فاطمة تعلبة من المنطقة دي؛ منطقة الأم اللي بتعبّر عن مشاعرها من خلال الفعل والمسؤولية،
واللي ممكن يكون اهتمامها بأولادها أكبر من قدرتها على التعبير عنه بالكلام الرقيق.
فاطمة من الشخصيات اللي تربط الحب بالحماية. هي عايزة تطمئن إن أولادها في أمان، وإن مستقبلهم مش مهدد، وإن العيلة هتفضل متماسكة.
لكن هدى سلطان، بأدائها، بتخلينا نشوف إن وراء الحزم ده مشاعر وخوفًا وارتباطًا شديدًا بالأسرة.
وده جانب مهم في قراءة الشخصية؛ لأن الممثلة ما خلتناش نشوف التصرف وحده،
لكنها ساعدتنا نفهم الدافع الإنساني اللي ممكن يكون وراءه، من غير ما تلزمنا نوافق على كل قرار تتخذه فاطمة.
وهنا يظهر جمال الأداء: إنه يفتح مساحة للفهم، حتى لما الشخصية تثير جوانا الاعتراض.

حين يتحول الصوت إلى سلطة
صوت هدى سلطان كان عنصرًا مهمًا في بناء فاطمة تعلبة. فهي تعرف إمتى تكون نبرتها حاسمة،
وإمتى تخفف حدتها، وإمتى توصل رفضها من غير ما تحتاج إلى انفعال مبالغ فيه.
والأم صاحبة الشخصية القوية مش بالضرورة تكون غاضبة طوال الوقت؛ أحيانًا قدرتها على ضبط انفعالها هي اللي بتمنحها الهيبة.
وده ما يجعل التحكم في نبرة الصوت جزءًا أساسيًا من الأداء، لأن الفرق بين الحنان والحزم ممكن يظهر في تفصيلة صغيرة، لا في تغيير كامل للشخصية.
هدى سلطان عندها خبرة فنية طويلة مكّنتها من تقديم هذه المساحات من غير افتعال. ففاطمة لا تتغير إلى امرأة أخرى لمجرد أنها غاضبة،
ولا تفقد هيبتها لمجرد أنها حنونة. الصفتان موجودتان داخل الشخصية نفسها، وده اللي يجعلها مقنعة.
والأهم إن الأداء لا يجعلنا نشعر إن الأم تتعمد استعراض قوتها طوال الوقت. هي تتصرف من منطلق إنها صاحبة مسؤولية،
وإن عليها أن تحسم الأمور، وده ما يجعل هيبتها نابعة من تكوين الشخصية وعلاقاتها، لا من الانفعال وحده.

الأم التي تحب أبناءها.. لكنها تريد أن تحميهم بطريقتها
من الناحية الفنية، واحدة من أهم نقاط قوة شخصية فاطمة تعلبة إن هدى سلطان لم تقدمها باعتبارها أمًا مثالية لا تخطئ،
ولا باعتبارها امرأة متسلطة لا تعرف سوى فرض رأيها.
هي أم بتحب أولادها، لكن عندها تصور محدد للحياة اللي تتمنى لهم يعيشوها.
وده بيخلق صراعًا بين نيتها في حمايتهم، وحقهم في اتخاذ قراراتهم بأنفسهم.
وتظهر أهمية الأداء هنا في إننا نقدر نفهم الشخصية حتى لما نختلف معاها. فالممثلة لا تحتاج إلى تبرير كل تصرف تقوم به فاطمة،
لكنها تمنحها من الصدق الإنساني ما يجعل المشاهد يفكر في أسباب تصرفاتها، وفي علاقتها بالخوف والمسؤولية والسلطة.
وده أحد الفروق بين أداء يكتفي بتقديم شخصية قوية، وأداء يجعلنا نرى ما وراء القوة. ففاطمة لا تتدخل لمجرد التدخل،
لكنها امرأة بنت حياتها على تحمل المسؤولية، وأصبح من الصعب عليها أن تتخيل أن الأمور ممكن تمشي من غير تدخلها.
والسؤال اللي يتركه الدور مفتوحًا هو: هل تستطيع الأم أن تظل مصدر الأمان لأولادها، من غير ما تتحول إلى صاحبة القرار في كل تفاصيل حياتهم؟

لماذا بقيت فاطمة تعلبة بعد ثلاثين عامًا؟
لأن هدى سلطان لم تقدم لنا أمًا مرتبطة بزمن محدد، لكنها قدمت مشاعر وعلاقات نقدر نتعرف عليها حتى لو اختلفت تفاصيل حياتنا.
ما زالت العلاقة بين الأم وأبنائها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية تعقيدًا؛ فيها حب لا يحتاج إلى إثبات، وخوف قد يتحول إلى تدخل،
وحرص قد يختلط بالرغبة في السيطرة، واحتياج متبادل يتغير مع مرور السنوات.
لكن استمرار «الوتد» في الذاكرة لا يرجع إلى موضوعه وحده، بل إلى قدرة الأداء التمثيلي على جعل هذه العلاقات حقيقية.
فالمشاهد لا يتذكر فاطمة تعلبة فقط لأنها كانت قوية، لكنه يتذكر طريقتها في الكلام، وهيبتها في البيت، وحضورها وسط أولادها،
وإحساسه بأن وراء كل قرار تتخذه حكاية من العمر والخبرة والخوف عليهم.
لقد منحتها هدى سلطان ملامح إنسانية جعلت الجمهور قادرًا على الاختلاف معها، والتعاطف معها،
ومناقشة تصرفاتها، من غير ما يفقد إحساسه بأنها شخصية حقيقية.
وده هو الاختبار الأصعب لأي عمل فني: مش إنه يقدم لنا شخصية نحبها طوال الوقت، لكن إنه يقدم لنا شخصية لا نستطيع تجاهلها، حتى بعد ما تنتهي الحكاية.

هدى سلطان.. أم بقيت في الذاكرة
بعد ثلاثين عامًا، تظل فاطمة تعلبة واحدة من الشخصيات اللي تستحق التوقف أمامها، ليس فقط لأنها جسدت قوة الأم المصرية،
لكن لأن هدى سلطان قدمت القوة دي من غير ما تلغي ما بداخلها من مشاعر وتناقضات.
كانت أمًا تفرض هيبتها، لكنها لم تكن مجرد صوت يأمر. وكانت حازمة، لكن الحزم لم يكن كل ما فيها.
وكانت تخاف على أولادها، لكن خوفها لم يمنعنا من رؤية الصراع بين رغبتها في حمايتهم وحاجتهم إلى الاستقلال.
وهنا تكمن قيمة الدور؛ في إننا لا نرى أمًا واحدة بصفة واحدة، بل نرى إنسانة تحمل الحب والخوف والاعتزاز والمسؤولية،
وتحاول أن تحافظ على أسرتها بالطريقة التي تعرفها.
فاطمة تعلبة لم تعش في ذاكرة الجمهور لأنها كانت أمًا لا تُهزم، لكن لأن هدى سلطان جعلتنا نرى المرأة التي تقف خلف هيبة الأم؛
المرأة التي تحب، وتخاف، وتتمسك بأولادها، وتحاول أن تحميهم من الحياة، حتى لو لم تدرك دائمًا أن جزءًا من الحب هو أن تمنحهم القدرة على مواجهتها بأنفسهم.
ثلاثون عامًا مرت، لكن أداء هدى سلطان ما زال يمنح الشخصية حياة جديدة كلما شاهدنا «الوتد» من جديد.
وده هو الفارق بين دور ناجح وقت عرضه، ودور يتحول إلى جزء من ذاكرة الدراما المصرية؛ أن يترك الفنان وراءه شخصية لا تنتهي بانتهاء المسلسل،
بل تظل قادرة على أن تجعلنا نتذكر أمهاتنا، ونفكر في علاقاتنا، ونعيد اكتشاف معنى القوة والحنان داخل البيت الواحد.

