ابن قلبي - قصة قصيرة بقلم ابراهيم الطير - النايل نيوز
الرئيسية » ابن قلبي – قصة قصيرة بقلم ابراهيم الطير
ثقافة

ابن قلبي – قصة قصيرة بقلم ابراهيم الطير

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

ابن قلبي – قصة قصيرة بقلم ابراهيم الطير

 

في عام 1983 وبينما كانت الحرب العراقية الايرانية تشتعل على الحدود وتبتلع نيرانها احلام الشباب واعمار الرجال، كانت هناك حكاية اخرى تكتب في صمت، حكاية اب لم يكن يعلم ان القدر يخبئ له فرحا قصيرا وحزنا سيظل يسكن قلبه ما بقي له من العمر.

 

كان الحاج حسين رجلا ميسور الحال يمتلك عدة شركات، وقد رزقه الله بابن وحيد اسمه ساهر. لم يكن ساهر مجرد ابن في حياة ابيه، بل كان عمره الذي يمشي على الارض، وامله الذي ينتظر ان يراه يوما رجلا ناجحا يحمل اسمه ويحفظ ارثه.

 

كبر ساهر وشب بين احضان ابيه حتى انهى دراسته بكلية الهندسة، فشعر الحاج حسين ان الدنيا قد ابتسمت له اخيرا، وان الوقت قد حان ليفرح بابنه كما يفرح الاباء بابنائهم.

 

وفي احدى الامسيات جلس الحاج حسين الى جوار ساهر وقال له مبتسما:

يا بني لقد تعبت في تربيتك واليوم اراك مهندسا ناجحا، ولم يبق لي من الدنيا الا ان اراك عريسا وافرح بابنائك قبل ان يأخذني العمر الى نهايته.

 

ابتسم ساهر في حياء ثم قال:

يا ابي انا لا امانع الزواج، بل ان هناك فتاة احببتها منذ ايام الجامعة اسمها رونق وهي زميلتي في كلية الهندسة، لكن اهلها يعيشون في محافظة بعيدة عنا.

 

لم يتردد الاب طويلا، قال له:

يا بني ما دمت تحبها وترضاها زوجة لك فهي ابنتي قبل ان تكون زوجتك، وسأذهب معك الى اهلها ولن تكون المسافات عائقا امام سعادتك.

 

وهكذا تمت الخطبة ولم تمض فترة طويلة حتى اقيم حفل الزواج، ودخلت رونق بيت الحاج حسين عروسا تحمل في قلبها احلاما كثيرة، وكان ساهر الى جوارها يراها اجمل ما منحه الله في هذه الحياة.

 

عاش الزوجان مع الحاج حسين تحت سقف واحد، وكانت الايام تمر هادئة دافئة يملؤها الحب والرضا، وجد الاب في رونق ابنة لم تنجبها الايام له، ووجدت هي في الحاج حسين ابا حنونا، اما ساهر فقد كان يشعر انه امتلك الدنيا بما فيها.

 

لكن الدنيا لا تمنح الانسان كل ما يتمنى.

 

فبعد فترة وجيزة جاء استدعاء ساهر لاداء الخدمة العسكرية وكانت الحرب في اوجها، فارتدى زيه العسكري وودع اباه وزوجته ثم حمل حقيبته وانطلق الى وحدته العسكرية.

 

وقف الحاج حسين امام باب المنزل يراقب ابنه وهو يبتعد، بينما كانت رونق تمسح دموعها.

 

قال ساهر قبل ان يركب السيارة:

لا تحزنا يا ابي ولا تقلقي يا رونق، انها خدمة الوطن وسأعود اليكما كلما سمحت لي الاجازات.

 

مرت الشهور وبدأت علامات الحمل تظهر على رونق، فطار الحاج حسين من الفرح.

 

وفي احدى الاجازات عاد ساهر الى البيت فاستقبله ابوه بالفرح ثم اخبره بالبشرى، نظر ساهر الى رونق واحتضنها طويلا ثم انحنى يقبل يد ابيه قائلا:

ربنا يخليك لينا يا ابي ويكتب لي ان ارى ابني بين ذراعيك.

 

ومرت الايام حتى جاء الموعد المنتظر، وضعت رونق طفلا جميلا له عينان تشبهان عيني ابيه.

 

احتضن الجد حفيده وهو يبكي من شدة الفرح ثم قال:

هذا كاظم، اسم على مسمى، سيكبر باذن الله ويكون سندا لابيه وامتدادا لبيتنا من بعدنا.

 

ومنذ ذلك اليوم اصبح كاظم هو حكاية الجد التي لا تنتهي. كان يحمله في الصباح ويجلسه الى جواره في المساء ويطعمه بيده ويشتري له الالعاب.

 

مرت ثلاثة اعوام وكبر كاظم قليلا وصار يركض في ارجاء البيت وينادي جده كلما اراد شيئا.

 

لكن القدر كان يكتب فصلا اخر.

 

في صباح حزين وصل الى الحاج حسين خبر استشهاد ابنه ساهر اثناء تأدية واجبه العسكري.

 

جلس الحاج حسين على الارض وانفجر في بكاء لم يعرفه عنه احد من قبل.

 

وبعد ايام من الحزن اتخذت رونق قرارا لم يكن الجد يتوقعه، فقد قررت العودة الى محافظتها البعيدة.

 

بدأت تجمع ملابسها واغراضها وتضع حاجات كاظم الصغيرة في حقيبة، بينما كان الحاج حسين يراقبها في صمت.

 

اقترب منها وقال بصوت مرتجف:

الى اين يا رونق؟

 

اجابته بانها ستعود الى بيت اهلها.

 

نظر الى كاظم ثم قال:

والصغير يا ابنتي ماذا عن كاظم؟ لقد اعتدت ان اراه امامي كل صباح، لقد اصبح كل ما تبقى لي من ساهر.

 

قال لها والدموع تملأ عينيه:

يا رونق لقد فقدت ابني الوحيد فلا تحرميني من ابنه، خذي من البيت ما تشائين وسأظل اعتبرك ابنتي لكن اتركي كاظم الى جواري فهو انيسي في وحدتي.

 

صمتت رونق ثم حملت طفلها الصغير.

 

اقترب كاظم من جده ومد يده اليه فقال الحاج حسين:

تعال يا حبيبي تعال الى جدو.

 

احتضنه بقوة وشم رائحة شعره وقبل جبينه، ثم اعاده الى امه وهو يظن انها ستتراجع، لكنها مضت.

 

خرجت رونق تحمل كاظم وسارت في طريقها الى المحافظة البعيدة، بينما ظل الحاج حسين واقفا عند الباب يراقب خطواتها حتى غابت عن عينيه.

 

أغلق الباب ببطء ثم عاد الى الغرفة التي كان يجلس فيها مع حفيده، وجد اللعبة الصغيرة على الارض والكوب الذي اعتاد كاظم ان يشرب فيه.

 

جلس على حافة الفراش وضم اللعبة الى صدره ثم بكى.

 

وذات مساء جلس الحاج حسين وحده في المكان الذي كان يحمل فيه كاظم كل يوم وامامه صورة ساهر بزيه العسكري وبجوارها صورة صغيرة لحفيده.

 

ثم امسك بقلمه وترك للدموع ان تكتب ما عجز اللسان عن قوله.

يا ساهرا قد غبت عن عيني ولم تغب

فأنت في القلب نبض الروح والعصب

 

رحلت عني وكنت العمر أجمعه

فكيف أحتمل الأيام في تعبي

 

تركت لي منك طفلا كان يؤنسني

وكان يمسح دمع الحزن والكرب

 

حملته بين أحضاني فأسعدني

وصار لي في ظلام العمر كالشهب

 

ناديت كاظم في صحوي وفي حلمي

فرد صمت الليالي صرخة التعب

 

يا ابن قلبي ويا نورا ألوذ به

يا ضحكة العمر يا أغلى من الذهب

 

كنت أرى وجه أبيه حين أرقبه

وألمح الحلم في عينيه يقترب

 

واليوم فارقني من كنت أحضنه

فصار بيتي كقبر موحش الرهب

 

أمسى سريري بلا صوت يجاوره

ولا يد صغيرة تمتد في طلبي

 

أمشي فأسمع وقع الخطو في أذني

كأن كاظم يجري نحوي من اللعب

 

فألتفت فلا وجه أقبله

ولا صغيرا يلوذ اليوم بي ويقترب

 

يا ساهرا في ثرى الأبطال مضطجعا

هل تسمع القلب يشكو لوعة النوب

 

قد كنت أحسب أن الموت يأخذكم

ويبقى لي من يهون الكرب

 

لكنني صرت بعد الفقد منفردا

أعد أيام عمري في لظى اللهب

 

يا رب إن كان هذا الدمع يرحمنا

فارحم فؤادا تهاوى من يد التعب

 

واجمع شمل الأحبة في جنتك

يا رباه دعاء خالصا من القلب

 

سأظل أحفظ ذكرى الابن في كبدي

وأحفظ الحفيد في الأعماق والنسب

 

فإن سألتم عن الشيخ الذي انطفأت

في بيته الضحكات وانحنى من النصب

 

قولوا فقد ابنه يوما وغاب معه

ابنا لقلبه كان الروح في الكرب

 

هذا الذي عاش عمرا كي يضمهم

فبات وحده أسير الدمع مكتئب

 

يا كاظما يا صغيرا لا يفارقني

ذكراك في مهجتي كالنار في الحطب

 

إن غبت عن ناظري فالقلب مسكنكم

مهما طال فراقك يا درة القلب

 

بل سوف أهمس والأشواق تحرقني

يا ابن قلبي متى ألقاك يا أملي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *