حين يحمل الطفل حربًا في جيبه - النايل نيوز
الرئيسية » حين يحمل الطفل حربًا في جيبه
مقالاتمنوعات

حين يحمل الطفل حربًا في جيبه

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

حين يحمل الطفل حربًا في جيبه

بقلم: عبد المجيد عبوبي

كنا صغارًا نحمل في جيوبنا الحصى والليمونة،
واليوم يحمل الطفل في جيبه العالم كلّه.
لا فلتر بين عينيه وما يراه؛
فكل صورة تمرّ أمامه تترسّخ في ذاكرته،
بلا انتقاء، بلا مسافة، بلا حقّ في النسيان.
في السابق، كانت الحرب تأتي إلى البيت من التلفاز، ثم تخرج حين نغلق الشاشة.
أما اليوم، فقد صارت تسكن جيب الطفل.
هاتف صغير، شاشة مضيئة، وإشعارات لا تتوقف: صور، مقاطع، أصوات انفجار، عناوين مرعبة، وحديث عن موت وألم ودمار. الطفل لم يعد يبحث عن الخبر؛ الخبر يبحث عنه.
وهكذا يدخل الخوف إلى قلبه من باب لم يكن يعرف أنه مفتوح.

الصورة تدخل قبل الكلمة

لا يحتاج الطفل إلى أن يكون في مكان الحرب ليتأثر بصورها. يكفي أن تراها عيناه مرة، ثم مرة، ثم مرة أخرى، حتى تدخل إلى خياله وتبقى فيه.
كلمة “حرب” يسمعها الكبار بطريقة مختلفة. قد يفهمها السياسي كقرار أو موقف، وقد يحللها المثقف كظاهرة تاريخية. أما الطفل، فيسمع فيها خوفًا وفراقًا وضياعًا للأمان.
قد يسأل أمه بهدوء: “هل ستأتي الحرب إلى بيتنا؟”
وقد لا يسأل شيئًا، لكنه يظل يراقب وجوه الكبار، ويلتقط منهم الخوف قبل أن يفهم الحدث.

الطفل يفهم بحسب عمره

لا يفهم الطفل الحرب دفعة واحدة، بل يفهمها بحسب عمره وطريقة نموه النفسي.
الطفل الصغير، قبل سن الخامسة أو السادسة، لا يميز بوضوح بين الخيال والواقع. قد يسمع كلمة “حرب”، لكنه لا يعرف معناها الكامل؛ ومع ذلك يلتقط خوف الكبار من أصواتهم وتعابير وجوههم.
أما الطفل بين السادسة والعاشرة، فيبدأ في فهم أن الحرب تعني قتالًا ودمارًا وموتًا، ويصبح أكثر قدرة على التخيل، ولذلك قد يزداد خوفه.
أما الطفل الأكبر، فيدرك أن ما يراه حقيقي، وأن الحرب قد تُفقد الإنسان بيته أو أحبّه. وهنا يصبح الخوف أعمق، لأنه لم يعد خوفًا من صورة فقط، بل من فكرة كاملة عن الفقد والانفصال.
ولهذا لا يصح أن نتحدث مع كل الأطفال بالطريقة نفسها. فالصغير يحتاج إلى كلمات قليلة وبسيطة وطمأنة واضحة، والطفل الأكبر يحتاج إلى إجابات صادقة تفتح له باب الحوار، دون أن نغرقَه في تفاصيل الدم والدمار.

الخبر يبحث عنه

الطفل لا يخاف فقط من صورة أو خبر.
يبدأ يسأل نفسه أسئلة أكبر من عمره:
لماذا يقتل الناس بعضهم بعضًا؟
هل العالم آمن؟
هل سأفقد أمي؟
ما معنى الحياة إذا يمكن أن تنتهي فجأة؟
نحن نظن أننا نشاهد الأخبار، لكن الأخبار تشاهدنا أيضًا.
تدخل إلى بيتنا بلا استئذان، تجلس بيننا، تفتح عيون أطفالنا على الدم والرماد، ثم تتركهم وحدهم مع ما رأوه. نحن نغلق الشاشة، لكن الصورة لا تغلق.
تبقى في الرسم، وفي الحلم، وفي السؤال المتأخر، وفي الخوف الذي لا يعرف الطفل كيف يسمّيه.

الطفل طفل

الطفل طفل له الحق في أن يجهل بعض أهوال العالم، حتى يكبر.
له الحق في أن يبكي على لعبة مكسورة، لا على مدينة مدمّرة ، وله الحق في أن ينام دون أن يحلم بالحرب.
فلنحمِ أطفالنا من الفيضان.
فلنعلّمهم أن للهاتف زر إغلاق، وأن للقلب حقًا في الراحة.
فلنُعد إليهم طفولتهم، قبل أن تسرقها الشاشات، وتزرع فيهم أسئلة لا يعرفون كيف يجيبون عنها.
فلنحفظ لأطفالنا حقهم في اللعب، والضحك، والرسم، والنوم الهادئ، والحلم. ولنعلّمهم أن الخوف قد يزور القلوب، لكن الطمأنينة تبقى ممكنة:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: ٢٨]
لأن الطفل، أينما كان، لا يجب أن يرى الحرب في الشاشة فقط، بل أن يجد أمامها يدًا تمسكه، وصوتًا يقول له: “أنت بأمان.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *