نجوان صفي الدين تكتب:مصر والسعودية.. حين يصبح الأمن العربي مسؤولية مشتركة، ويترجم الموقف إلى قرار.
في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس مواقف الدول بما تعلنه من كلمات، وإنما بما تتخذه من قرارات حاسمة، وبقدرتها على حماية أمنها القومي وسلامة مصالح أشقائها، وسط إقليم تتشابك فيه الأحداث.
التطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة، وما تتعرض لها المملكة العربية السعودية من اعتداءات واضحة. تعيد طرح سؤالاً جوهرياً أمام العالم العربي أجمع!..هل أصبح التضامن العربي ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل؟
في حقيقة الأمر التطورات الراهنة رسالة واضحة مكنونها أن أمن الدول العربية لا يمكن النظر إليه باعتباره قضايا منفصلة، وأن أي تهديد يمس استقرار الدول العربية قد يمتد آثاره إلى المحيط الإقليمي لها بأكمله، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
ومن هذا المنطلق جاء موقف الدولة المصرية الحكيمة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي القائد الأعلى لقواتها المسلحة الباسلة، حيث أكد فخامته مساندة مصر للمملكة العربية السعودية، والتمسك بحماية أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها. ففي السابع عشر من أكتوبر 2026 الحالي، أعلن الرئيس استعداد مصر لاتخاذها كافة الإجراءات اللازمة للمساعدة في الدفاع عن المملكة إذا تطلب الأمر ذلك، مع التأكيد أن مصر لا تسعى إلى الاعتداء على أحد، وإنما تتعامل مع الأمر من منطلق الدفاع وحماية الأمن والسيادة للمملكة. كما دعا إلى عقد جلسة طارئة لمجلس النواب في اليوم التالي لسرعة النظر في التفويض اللازم لإرسال الإمدادات الكافية للمملكة الشقيقة.
وهنا تتجلى أهمية الموقف السياسي؛ فالدولة المصرية، بما تمتلكه من ثقل إقليمي وقدرات عسكرية فائقة، تضع أمن المملكة ضمن دائرة الاهتمام الاستراتيجي العربي، وتؤكد أن العلاقات بين القاهرة والرياض ليست مجرد روابط دبلوماسية عابرة، بل علاقات تاريخية ومصالح متشابكة ومسؤوليات مشتركة.
الجيش المصري.. قوة تحمي الوطن وتصون السيادة
الحديث عن الدور المصري في هذه المرحلة الحاسمة يقود بالضرورة إلى الحديث عن القوات المسلحة المصرية الباسلة،هما وجهان لعملة واحدة.
بوصفها إحدى المؤسسات الوطنية الرئيسية المعنية بحماية الدولة وحفظ حدودها والدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها.
فالجيش المصري ليس مجرد قوة عسكرية في حسابات المنطقة فحسب، بل هو مؤسسة مهمتها الأساسية حماية الوطن ومقدراته، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد. وتبقى قوة الجيوش الحقيقية مرتبطة بقدرتها على الردع وحماية الأمن القومي.
وبالانضباط في استخدام القوة، واحترام مقتضيات القانون والدستور،
في أوقات الأزمات، تصبح الجاهزية العسكرية ذات قيمة مضاعفة عندما تسندها رؤية سياسية واضحة، ودقيقة للمخاطر، وإرادة تمنع اتساع دائرة الصراع بدلًا من أن تدفع المنطقة إلى مزيد من المواجهات العنيفة التي تودي بحياة المواطنين.
فالقوة الحقيقة ليست في إشعال الحروب، وإنما في امتلاك القدرة على التدخل السريع والحفاظ على السلام قبل تفاقم الأحداث، والدفاع عن السيادة، ومنع الاعتداءات من فرض واقع جديد على الشعوب والدول.
السعودية ومصر.. تاريخ من الروابط ومصير تتقاطع فيه المصالح وتتصل.
إن العلاقات المصرية السعودية أكبر من أن تختزلها أزمة عابرة أو تحكمها حسابات لحظية باحتة،فقد جمعت البلدين روابط تاريخية وشعبية واقتصادية واستراتيجية، وجعلت من التنسيق بينهما عنصرًا أساسياً مهمًا في معادلة الاستقرار العربي.
وعندما تتعرض المملكة لاعتداءات تمس أمنها وسلامة أراضيها، فإن الموقف المصري الداعم لسيادتها يعكس إدراكًا لترابط المصالح العربية، ولأهمية منع التهديدات الأمنية من التحول إلى أزمات إقليمية أوسع.
وقد أكد بيان مشترك لوزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا، صدر في سبتمبر 2026، دعم سيادة المملكة ووحدة أراضيها وأمنها، وإدانة الاعتداءات التي استهدفتها، مع التشديد على حقها في الدفاع عن نفسها وفقًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
كما شدد البيان على أن الحوار والدبلوماسية يمثلان طريقًا أساسيًا للوصول إلى حلول مستدامه.
وهذه المعادلة دبلوماسية تسعى إلى احتواء التصعيد، وتحمي الدول من الاعتداءات.
أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن التحدي الإقليمي في إدارة الأزمات والملفات الإقليمية، تتطلب القرارات المتعلقة بالأمن القومي موازنة دقيقة بين الالتزامات السياسية، وحماية المصالح الوطنية، وتقدير التداعيات المحتملة لأي تحرك عسكري.
ومن هذا المنطلق، فإن الموقف المصري المعلن تجاه المملكة العربية السعودية يضع مسألة الأمن العربي في صدارة المشهد وأولوياته، ويؤكد أهمية التنسيق بين المؤسسات السياسية والعسكرية والتشريعية عند بحث أي إجراءات دفاعية محتملة.
ولا تنفصل أهمية هذا الموقف عن مسؤولية الدولة المصرية تجاه شعبها، فمصر معنية بحماية أمنها القومي، وتأمين مصالحها الاستراتيجية، والحفاظ على استقرار المنطقة التي ترتبط بها مصالحها الحيوية، من البحر الأحمر إلى الممرات البحرية والتجارة الإقليمية.
كما أن أي تحرك في هذا الاتجاه ينبغي أن يستند إلى الدستور والقانون، وأن يراعي طبيعة التهديد، وحدود المسؤولية، والآثار الإنسانية والاقتصادية المحتمل حدوثها فالمواقف القوية تزداد رسوخًا عندما تجتمع فيها القدرة مع الحكمة،والحكمة تأتي دائماً من مصر وقياداتها.
إن ما يُجري اليوم يفرض على الدول العربية تجاوز الاكتفاء ببيانات الإدانة إلى بناء آليات أكثر فاعلية للتنسيق الأمني والسياسي، وتعزيز حماية المنشآت الحيوية وعدم المساس بها، وتأمين الملاحة البحرية، وتبادل المعلومات، والعمل المشترك لمنع اتساع رقعة الصراع.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول الأزمات إلى مبرر لإغلاق أبواب الحلول السياسية؛ فحماية الدول من الاعتداءات حق مشروع، لكن منع الحروب الممتدة مسؤولية لا تقل أهمية.
والمنطقة العربية ليست بحاجة إلى صراعات جديدة تستنزف مواردها وتبدد فرص التنمية بها، بل تحتاج إلى تعاون يحمي الشعوب، ويصون مقدرات الدول، ويمنع تحويل الخلافات السياسية إلى تهديد دائم للأمن والاستقرار.
إن مصر والسعودية، بما تمثلانه من ثقل سياسي واقتصادي وبشري، تستطيعان أن تؤديا دورًا مهمًا في دعم العمل العربي المشترك، شريطة أن يقترن التنسيق بوضوح الأهداف، واحترام سيادة الدول، والالتزام بالقوانين والأنظمة الدولية، وتغليب المصالح العربية.
وأن الأمن العربي ليس شعارًا؛ بل مسؤولية يجب التعامل معها بحسم.
إن اللحظات الفاصلة في تاريخ المنطقة تكشف قيمة المواقف، والمسؤولية التي تترتب عليها.
ومصر، بتاريخها ومؤسساتها الوطنية وقواتها المسلحة، معنية بحماية أمنها القومي والمساهمة في استقرار محيطها العربي، فيما تظل المملكة العربية السعودية دولة شقيقة يرتبط أمنها واستقرارها بمصالح إقليمية واسعة.
إن دعم السعودية في مواجهة الاعتداءات، وحفظ سيادتها، والتأكيد على حقها في الدفاع عن أراضيها، مواقف تكتسب أهميتها من كونها جزءًا من رؤية أوسع لأمن عربي مشترك، لا يقوم على التصعيد، بل على الردع المسؤول والتنسيق والحلول السياسية الرادعة.
حين يدرك العرب أن أمنهم مترابط، وأن قوة كل دولة ينبغي أن تكون سندًا للاستقرار لا جزءاً للصراع، يصبح التضامن العربي مشروعًا حقيقيًا لحماية الحاضر وصناعة مستقبل أكثر أمنًا للأجيال القادمة.
حفظ الله مصر وشعبها ورئيسها وجيشها وقيادتها الحكيمة.

