القلق: نزيف العصر الصامت - النايل نيوز
الرئيسية » القلق: نزيف العصر الصامت
مقالات

القلق: نزيف العصر الصامت

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

القلق: نزيف العصر الصامت
بقلم: عبد المجيد عبوبي
في زماننا صار القلق مواطناً من مواطني اليوم؛ يدخل البيوت دون استئذان، ويجلس إلى المائدة، ويرافق الإنسان في عمله ونومه. والغريب أن هذا الحضور المتصاعد يتزامن مع أعظم تطور عرفته البشرية، وكأن كل ما منحنا العصر من راحة أخذ في المقابل شيئاً من سكينتنا.
والحقيقة التي يجب أن تُقال منذ البداية: القلق ليس عدوّ التطور، بل ابنه. فالعالم الاجتماعي إميل دوركهايم تنبأ قبل أكثر من قرن إلى ما نشهده حين وصف ما سمّاه التفكك الاجتماعي؛ فالمجتمعات القديمة كانت عائلة كبيرة فيها اليقين والطقوس، أما المجتمع الحديث فقد منح الإنسان حريته، وفقد معها الانتماء. وقد بلغ إريك فروم هذا المعنى حين وصف الإنسان المعاصر بأنه يملك كل شيء إلا ذاته: هاتف يربطه بالعالم كله، وجار لا يسأل عنه، وحسابات على كل الشبكات، ولا أحد يشاركه العشاء.
ولعل السرعة هي الوجه الآخر لهذه المعادلة. فأدمغتنا صُمّمت لإيقاع بطيء يتبع الشمس والفصول، بينما نعيش اليوم إيقاعاً هندسياً تصل فيه أخبار العالم في الثانية، ولا تستقر مهنة حتى جاءت مهنة تنافسها. سمّى هارتموت روزا هذا تسارع الحداثة، وهو في جوهره أن يتحرك العالم أسرع من قدرة الإنسان على استيعابه. والقلق رد فعل بسيط على المجهول؛ فنحن لا نخاف الحاضر، بل نخاف غداً لم يعد قابلاً للتنبؤ.
ومن رحم هذا التسارع انفرطت الوشائج. فالعرب منذ القدم لم يعرفوا الوحدة؛ كانوا يجلسون جماعة في المجلس والديوانية وحول المائدة، يتعانقون بالحكاية والضحك، ويحفظ الواحد للآخر مكانَه وحقَّه. وهذه الجماعة لم تكن عادة عابرة، بل كانت سرّنا الحقيقي: أن الإنسان عندنا لا يواجه همّه وحده، بل يطرحه فيلقى من يحمله عنه نصفَ الحمل. وقد رأى علم النفس الفرويدي في الضحك الجماعي سلاحاً على القلق، طقساً علاجياً يتطلب أجساداً متجاورة لا شاشات متفرقة. أما اليوم فنضحك وحدنا أمام هواتفنا في صمت، وكأن العصر الذي يفتت الجماعة إنما يفتت مناعتنا؛ فالوشائج إذا انفرطت صار كل واحد منا جزيرة تضربها الأمواج وحدها.
وفي مواجهة كل هذا، يحمل الدين منذ فجره ثلاثة أدوية نفسية عظيمة. التوكل أن تفعل ما بوسعك ثم تسلّم ما لا تملكه، فلا تحمل كوكباً فوق كتفيك. والرضا أن تحيا لحظتك دون مقارنة، في زمن جعلتنا الشاشات نقارن حياتنا الداخلية بالواجهات الخارجية للآخرين فلم يعد أحد راضياً. والجماعة أن لا يُترك الإنسان وحده؛ فالصلاة جماعة والحج جماعة والجلوس إلى الوشائج جماعة، لأن من عاش وحده طوال عمره انهارت وحدته وإن ملك الدنيا. وليس الدين إذن ما غاب، بل التجربة الإنسانية العميقة التي كان يحميها، وهو ما أدركه فيكتور فرانكل حين قال إن معاناة الإنسان المعاصر ليست في غياب المتعة بل في غياب المعنى.
ومن هنا فإن الأدوية الحقيقية لا تُشترى من الصيدلية. يبدأ الدواء بأن يمسك الإنسان كتف صديقه، فالدماغ لا يصدّق الكلام وحده بل يصدّق اللمس والوجوه. ويتواصل في ساعة بطيء واحدة في اليوم، مشياً أو قراءة أو فنجان شاي، عودةً إلى الإيقاع الأصلي. ثم في إعادة شدّ الوشائج: عشاء أسبوعي بلا هواتف، مجلس عائلة تُروى فيه الحكاية وتُضحَك فيه الضحكة الصافية، فالبيت الذي يجتمع لا يقلق. ويكتمل بالعمل الصغير المنتظم؛ فالقلق ينمو في فراغ التسويف، وكل بيت شعر أو زيارة مريض أو كلمة طيبة يبني يقيناً يومياً يطرد الغد المجهول.
لن يهدأ العصر، ولن تتباطأ السرعة، ولن تختفي الشاشات. لكن الإنسان لم يُخلَق ليتسابق بل ليمشي، ولم يُخلَق ليتابع بل ليحبّ، ولم يُخلَق ليقلق وحيداً بل ليجلس مع إخوته إلى الوشائج. والقلق ليس قدراً، بل دعوة مزيفة يبعثها العصر كل صباح؛ والرد الوحيد عليها أن نعيش أبطأ، وأن نجتمع أكثر، وأن نتذكّر أننا لسنا أرقاماً في إحصائية عالمية، بل أرواحاً تستحق أن تهدأ.
بقلم: عبد المجيد عبوبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *