بيوت لها حكاية
بيت الكريتلية.. أسرار بيتين جمعهما ممر، وحكايات بقيت خلف الأبواب
بقلم: داليا حسام
في جوار مسجد أحمد بن طولون، أحد أقدم مساجد القاهرة، يقف بيت يبدو كأنه خرج من زمن آخر؛
أبوابه الخشبية، ومشربياته، وأفنيته الداخلية، وتفاصيله المعمارية، كلها تحمل آثار حياة امتدت عبر قرون.

لكن المفاجأة أن هذا البيت الذي نعرفه اليوم باسم متحف جاير أندرسون، أو بيت الكريتلية،
لم يكن في الأصل منزلًا واحدًا، بل بيتين منفصلين، أنشأهما رجلان في عصرين مختلفين، ثم جمعهما ممر ليصبحا وحدة معمارية واحدة.
وبين البيتين، تظهر أسماء نساء ارتبطت بتاريخ المكان، وقاعات تحمل أسماء ووظائف مختلفة، وبئر وسبيل، ومقتنيات جاءت من ثقافات متعددة.
إنها حكاية بيت لم يحتفظ بشكل العمارة وحده، بل صار متحفًا يضم آثارًا من عصور وبلدان شتى.

بيتان يفصل بينهما قرن تقريبًا
يرجع تاريخ المنزل الأول إلى سنة 947هـ/1545م، وقد أنشأه المعلم عبد القادر الحداد.
وانتقلت ملكيته في وقت لاحق إلى السيدة آمنة بنت سالم، التي ارتبط اسمها بهذا المنزل.
أما المنزل الثاني، فقد أنشأه الحاج محمد بن سالم بن جلمام الجزار سنة 1041هـ/1631م.
وهكذا ينتمي المنزلان إلى العصر العثماني، لكنهما لم يُبنيا في سنة واحدة، ولم يكونا في البداية منزلًا واحدًا.
فقد نشأ كل منهما مستقلًا، ثم رُبطا لاحقًا بممر علوي يُعرف باسم «السباط»، ليصبح الانتقال بينهما ممكنًا.
وهذه التفصيلة وحدها تكشف جانبًا مهمًا من تاريخ المبنى:
ما نراه اليوم وحدة متكاملة هو في الحقيقة نتيجة مراحل مختلفة من البناء والاستخدام.

من أين جاء اسم «الكريتلية»؟
يرتبط اسم بيت الكريتلية بسيدة من جزيرة كريت سكنت أحد المنزلين، فنُسب إليها الاسم. وكريت جزيرة في البحر المتوسط، تقع ضمن اليونان اليوم.
لكن المصادر الرسمية المتاحة لا تذكر اسم هذه السيدة الشخصي، ولا تقدم سيرة تفصيلية لحياتها أو أسرتها أو المدة التي أقامتها في المنزل.
لذلك لا يمكننا الجزم بكيفية وصولها إلى القاهرة، أو ظروف انتقال الملكية إليها، أو تفاصيل حياتها داخل البيت.
وما نستطيع قوله بثقة هو أن اسمها المرتبط بأصلها من كريت ظل حاضرًا في تسمية المكان.
وهنا واحدة من المفارقات التي تجعل البحث في البيوت القديمة مهمًا:
أحيانًا يبقى اسم امرأة على مبنى لقرون، بينما تضيع تفاصيل حياتها الشخصية من السجلات التي وصلت إلينا.

كيف كان البيت ينظم حياة سكانه؟
من أبرز ما تكشفه عمارة المنزلين تقسيم المساحات وفق الوظائف الاجتماعية المختلفة.
ففي البيت أقسام ترتبط بالحرملك والسلاملك، إلى جانب مجالس وقاعات أخرى.
ارتبط الحرملك بالمساحة الخاصة بالنساء، بينما خُصص السلاملك لاستقبال الرجال.
ويعكس هذا التقسيم جانبًا من العادات الاجتماعية التي أثرت في تصميم بعض البيوت التقليدية.
كما تبرز المشربيات الخشبية بوصفها عنصرًا معماريًا يجمع بين الجمال والوظيفة؛
فهي تسمح بمرور الهواء والضوء، وتوفر قدرًا من الخصوصية داخل المنزل.

ولا يعني وجود هذه الأقسام أن جميع البيوت القديمة كانت متطابقة في تصميمها أو طريقة استخدامها؛
فالتفاصيل كانت تختلف باختلاف المنزل وعصره وظروف سكانه. لكن بيت الكريتلية يقدم مثالًا ملموسًا على ارتباط العمارة بالحياة اليومية.

بئر وسبيل داخل البيت
من التفاصيل التي تستحق الانتباه أن المتحف يضم سبيلًا وبئرًا، وهما عنصران يرتبطان بالماء داخل المبنى.
فالماء كان من الاحتياجات الأساسية لأي منزل، وكان توفيره وتخزينه جزءًا مهمًا من تنظيم الحياة اليومية،
خاصة في زمن لم تكن فيه شبكات المياه الحديثة متاحة كما نعرفها اليوم.
لكن لا ينبغي أن نفترض أن وجود البئر يكشف وحده طريقة استخدامه في كل مرحلة من مراحل تاريخ المنزل؛
فذلك يحتاج إلى معلومات تاريخية إضافية. المؤكد أن وجود هذه العناصر يضيف جانبًا عمليًا إلى صورة البيت،
فلا يعود مجرد مجموعة من القاعات والزخارف.
قاعة الولادة وقاعة العرائس
يضم المتحف قاعتين تحملان اسمَي قاعة الولادة وقاعة العرائس، وهما من أكثر الأسماء التي تثير فضول الزائر.
فالولادة والزواج من أهم محطات الحياة الاجتماعية، ووجود قاعات بهذه الأسماء يلفت الانتباه إلى أن تاريخ البيوت لا يتعلق بالعمارة وحدها،
بل يرتبط أيضًا بالمناسبات والعادات الإنسانية.
لكن الاسم وحده لا يكفي لإثبات تفاصيل محددة عن النساء اللاتي استخدمن القاعتين، أو عن الطقوس التي جرت فيهما، أو عن شخصيات ارتبطت بهما.
ولذلك ينبغي الرجوع إلى التوثيق المتحفي المتخصص قبل نسبة وظيفة تاريخية دقيقة أو قصة شخصية إلى أي قاعة.

متحف داخل بيت.. وعالم من الثقافات
في عام 1935، تقدم الضابط الإنجليزي والطبيب جاير أندرسون بطلب إلى لجنة حفظ الآثار العربية للإقامة في المنزلين وتأثيثهما على الطراز الإسلامي العربي،
وعرض مجموعته من المقتنيات الأثرية.
وكان أندرسون قد درس الطب في لندن، وعُيّن في القسم الطبي بالجيش الإنجليزي سنة 1904، ثم انتقل إلى خدمة الجيش الإنجليزي في مصر سنة 1907.
وافقت اللجنة على طلبه وفق شروط، من بينها أن تؤول المقتنيات والأثاث إلى الشعب المصري بعد وفاته أو عند مغادرته مصر نهائيًا.
وغادر أندرسون المنزل عام 1942، فآل المنزلان وما فيهما إلى مصلحة الآثار العربية، وأصبحا متحفًا يحمل اسمه.
ويضم المتحف 29 قاعة، منها قاعات متخصصة تحمل أسماء ثقافات وبلدان مختلفة،
مثل القاعات الهندية والصينية والأندلسية والدمشقية والفارسية والبيزنطية والتركية.
وتضم هذه القاعات أثاثًا ومقتنيات تتناسب مع الطابع الذي تحمله أسماؤها.
وهنا يجب التمييز بين تاريخ البيت الأصلي وبين المرحلة التي عاش فيها أندرسون؛
فليس كل أثاث أو قطعة معروضة اليوم جزءًا من حياة سكان المنزل في القرنين السادس عشر والسابع عشر،
بل إن جانبًا من المجموعة جاء من بلدان وثقافات مختلفة وجُمع داخل المنزل في القرن العشرين.
أسطورة الثعبان الطيب
ترتبط ببيت الكريتلية حكاية شعبية تُعرف باسم «الثعبان الطيب»، وهي من المرويات التي يتداولها المهتمون بأساطير المكان.
لكن من المهم أن نميز بين الأسطورة والتاريخ: وجود الحكاية ضمن الموروث الشعبي المرتبط بالبيت لا يجعل أحداثها وقائع مثبتة،
ولا يصح تقديمها باعتبارها حقيقة تاريخية من دون دليل.
ومثل كثير من البيوت القديمة، اكتسب المكان هالة من الغموض ساعدت على انتشار الحكايات حوله.
أما ما يمكن إثباته تاريخيًا، فيبقى مرتبطًا بتاريخ المنزلين وملكيتهما وعماراتهما وتحولهما إلى متحف.
ماذا بقي من حكاية النساء؟
تظل آمنة بنت سالم من الأسماء النسائية الموثقة في تاريخ المنزل، إذ انتقلت إليها ملكية أحد البيتين.
أما السيدة القادمة من جزيرة كريت، التي ارتبط بها اسم بيت الكريتلية، فقد بقي اسمها الشخصي وسيرتها التفصيلية غير واضحين في المصادر الرسمية المتاحة.
وهذا لا يعني أن تاريخ النساء في البيوت القديمة كان محدودًا، بل يعني أن ما وصل إلينا من الوثائق لا يكفي لإعادة بناء حياة كل امرأة عاشت داخل هذه الجدران.
إن البيت يكشف لنا كيف صُممت المساحات الخاصة، وكيف جرى الفصل بين بعض وظائف المنزل، وكيف تغيرت ملكية المبنى عبر الزمن.
لكنه لا يسمح لنا وحده بأن نكتب حوارات أو تفاصيل شخصية لم تحفظها المصادر.
بيت الكريتلية ليس مجرد منزل قديم؛ إنه بيتان جمعهما ممر، ونساء بقيت بعض أسمائهن وغابت تفاصيل من حياتهن، ومكان تحول من مسكن إلى متحف يحمل آثار ثقافات متعددة.

