نانسي شاكر تكتب : حين تجمعنا البيوت وتفرقنا الشاشات
لقد أحدثت الهواتف الذكية ،ثورة في أساليب التواصل الاجتماعي، فأصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.
وبينما يراها البعض أداة فعالة لتعزيز التواصل بين الأفراد، يجزم آخرون بأنها أصبحت سبباً رئيسياً في التباعد الأسري والوجداني بين أفراد المجتمع.
والحقيقة أن أثرها يتوقف على طريقة استخدامها، وليس على وجودها في حد ذاته. فمن ناحية، أسهمت الهواتف الذكية في تيسير التواصل بين أفراد الأسرة، خاصةً في ظل انشغالهم الدائم بالدراسة أو العمل.
فمن خلال تطبيقات المراسلة ومكالمات الفيديو، يمكن للأبناء الاطمئنان على والديهم، والعكس صحيح، وللأسر المتباعدة جغرافياً الحفاظ على روابطها العائلية.
كما أصبحت الهواتف وسيلة لتبادل الصور والذكريات، وتنظيم شؤون الأسرة، وتوفيق مواعيدهم، وترتيب تفاصيل حياتهم، ومتابعة أبنائهم.
ولكن لا يمكن أبداً التغافل عما سببته الهواتف الذكية من انشقاقات فكرية، فأصبح كل منا يعيش في عالمه الخاص فكرياً وعاطفياً.
نعيش جميعاً تحت سقف منزل واحد، ولكن يظل كل فرد منا مهموماً بمشكلةٍ ما لا يعلم غيره عنها شيئاً، وسعيداً بخبر لا يعرفه أحد سواه، وقلقاً بشأن موضوع ما، معرفته أبعد ما تكون عن الآخرين، ومضطرباً بسبب حدث يجهله كل من حوله.
ومن هنا يبدأ الخطر الحقيقي؛ إذ يظهر تباعد بسيط بين أفراد الأسرة، غالباً لا يلحظه أحد بتاتاً، وينمو ذلك التباعد بتأن، حتى ينتج عنه فجوة عاطفية وفكرية، وتستمر تلك الفجوة في النمو حتى تُحدث انشقاقاً واضحاً، ثم آراءً وأفكاراً مختلفة شكلاً وموضوعاً بين كل فرد والآخر. وهنا يحدث الانفجار لأبسط وأتفه الأسباب.
تتخلل المشكلات البسيطة نسيج الأسرة بمنتهى البطء، والمضحك – أو ربما المبكي – أنه إذا سُئل فرد من أفراد الأسرة عن سبب التوتر وعدم استقرار الجو العام في المنزل، فسيذكر كل الأسباب الممكنة وغير الممكنة، دون أي التفات، ولو بسيط، إلى انشغالهم جميعاً بهواتفهم وصفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
فقد أدى الاستخدام المفرط للهواتف الذكية إلى تراجع الحوار المباشر داخل المنزل؛ فانقطع الحديث، وساد الصمت، وأصبح الحوار يُدار فقط حول المأكل والملبس وغيرها من الشكليات. فكثيراً ما يجلس أفراد الأسرة في مكان واحد، بينما ينشغل كل منهم بشاشته الخاصة، مما يقلل من فرص الحديث، والاستماع، والمشاركة الوجدانية.
فأصبح الأزواج لا يعلمون شيئاً عن تفاصيل حياة زوجاتهم، وأسباب صمتهن، وحيرتهن، ومخاوفهن، أو حتى أحلامهن. وأصبحت الزوجات ينمن ويستيقظن يوماً بعد يوم غارقات في عوالمهن المنفصلة وجدانياً، لا يعلمن شيئاً عن الأطر العريضة، أو حتى التفاصيل البسيطة، التي تتعلق بتحديات عمل أزواجهن ومشكلات إدارة بيوتهم.
يحدث ذلك بالتدريج، وإذا فجأة يثور بركان خفي، مليء بمشاعر الغضب، والشعور بالعزلة والوحدة، وضعف الروابط الأسرية، وتراجع مهارات التواصل، خاصةً إذا كان للوالدين أطفال أو مراهقون تحت كنفهما.
لا شك أن الهواتف أصبحت أسرع وأسهل أداة للوصول إلى المعلومة، فمن الصعب للغاية تخيل الحياة الآن دون ذلك اليسر وتوفير الوقت.
ولكني أقر علناً استيائي الشديد من كم الشكوى والشعور بالمرارة والوحدة من قِبل أشخاص تمنوا ولو بضع دقائق من وقت شريك حياتهم أو شريكة حياتهم يومياً.
ولذلك، إذا التزمت الأسرة بوضع ضوابط محددة لاستخدام الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، مثل تخصيص وقت معين للتفاعل الاجتماعي أو لتصفح وسائل الاتصال المختلفة بعيداً عن أوقات الوجبات أو الجلسات العائلية، فسوف يعزز ذلك قيمة الحوار المستمر تلقائياً، دون بذل جهد إضافي من أي فرد من أفراد الأسرة.
وفي هذه الحالة ستصبح التكنولوجيا وسيلة داعمة للعلاقات الإنسانية، بدلاً من أن تحل محلها.
لو علمنا كيف يسعى النظام العالمي إلى تفكيك الروابط الأسرية لمصالح اقتصادية وسياسية بحتة، وكيف تُسهم تلك التوجهات في إضعاف الروابط المجتمعية خدمةً لأهداف تتجاوز مصلحة الفرد، لعلمنا أننا جميعاً ضحايا لأنظمة تخدم أهدافاً دنيئة، وأدركنا أننا جميعاً نتأثر سلباً بمنظومات لا تضع الأسرة في مقدمة أولوياتها. وقتها سنصبح أكثر وعياً وحنكةً في التمسك بما هو ثمين بالفعل: أسرتنا، وعلاقاتنا، وإنسانيتنا.
دُمتم واعين بما هو قيم .. متمسكين بما لا يُعوض.


