رأفت الهجان: حين صار الانتصار حكاية في الوعي العربي - النايل نيوز
الرئيسية » رأفت الهجان: حين صار الانتصار حكاية في الوعي العربي
مقالات

رأفت الهجان: حين صار الانتصار حكاية في الوعي العربي

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

 

رأفت الهجان: حين صار الانتصار حكاية في الوعي العربي

بقلم عبد المجيد عبوبي

لم يكن «رأفت الهجان» مجرد مسلسل عن الجاسوسية، بل تحوّل إلى حكاية وطنية عربية أعادت للناس شعور الفخر والقوة بعد هزائم مؤلمة. وقد جسّد الفنان محمود عبد العزيز شخصية رفعت الجمال ببراعة، فصار «الهجان» رمزًا للذكاء والشجاعة والانتصار في مواجهة عدوّ قوي.

لماذا أحبّ الناس المسلسل؟

عُرض المسلسل أول مرة عام 1988، وكان مبنيًا على رواية الكاتب صالح مرسي «كنت جاسوسًا في إسرائيل». وقد لاقى نجاحًا كبيرًا في مصر والعالم العربي، حتى صار اسم رفعت الجمال رمزًا للوطنية والبطولة.

ولم يكن «الهجان» بطلًا خارقًا، بل رجلًا عاديًا ترك أهله ووطنه، وعاش تحت اسم مستعار، وكان الموت يلاحقه في كل لحظة. هذه المعاناة جعلت المشاهد يشعر بالقرب منه ويحبه، لأنه بطل يشبه الناس، لا شخصية خيالية بعيدة.

الهجان في الوجدان المغربي

نحن في المغرب عشنا هذا المسلسل وجدانيًا، لا كمشاهدين فقط، بل كأننا نعيش مع «الهجان» نفسه مغامرته. كنا نتابع الحلقات بشغف، وننتظر لحظة نجاحه، ونخاف عليه حين يقترب الخطر منه.

وقد وجد المغاربة في هذا البطل صوتًا لآمالهم وأحلامهم. فالمسلسل لم يكن قصة مصرية فقط، بل قصة عربية مشتركة، تحدثت عن الكرامة والانتماء والقدرة على مواجهة الخصم بالذكاء والإرادة. لذلك بقي «الهجان» في ذاكرة جيل كامل من المغاربة، الذين تذكروا المسلسل كما يتذكرون أغنية أو مناسبة عائلية أو لحظة من الطفولة.

الهجان وعقدة الهزيمة

بعد نكسة 1967، احتاج العرب إلى قصص تعيد إليهم الثقة بأنفسهم. وقد قدّم «رأفت الهجان» صورة لانتصار فردي ذكي: رجل مصري دخل إلى قلب المجتمع الإسرائيلي، وكسب ثقة الناس هناك، ونقل معلومات يُقال إنها ساعدت في التخطيط لحرب أكتوبر 1973.

ولهذا شعر كثيرون أن المسلسل أعاد إليهم ما فقدوه من فخر وكرامة، لأن البطل لم يكن جيشًا ولا دولة، بل إنسانًا واحدًا استطاع أن يهزم الخوف ويكسب المعركة.

سيكولوجية البطل العربي

من الناحية النفسية والاجتماعية، يلبّي «الهجان» حاجات عميقة في الوعي العربي:

التعويض عن الهزيمة: البطل الفردي ينتصر حيث تعثّرت الجيوش أو الأنظمة.

استعادة الكرامة: العربي لم يعد ضحية أو مهزومًا، بل رجل ذكي يتحكم في الموقف.

بطل من الشعب: رجل عادي لا سلطان ولا إله، وهذا يجعل الجمهور يرى نفسه فيه.

التضحية من أجل الوطن: تضحية «الهجان» بحياته الشخصية جعلت انتصاره أجمل وأكثر معنى.

هل الانتصار حقيقي أم وهمي؟

الجواب الأدق هو: حقيقي في جزء منه، ورمزي في جزء آخر.

فرفعت الجمال شخصية حقيقية، وارتبط اسمه بعملية تجسس طويلة داخل إسرائيل حسب الرواية المصرية والمصادر الرسمية. لكن الدراما أضافت إلى القصة تفاصيل ومشاهد جعلتها أقرب إلى الأسطورة، فتحوّلت عملية استخبارات معقدة إلى ملحمة بطلٍ واحد يواجه عدوًا كاملًا.

قراءة اجتماعية بسيطة

المجتمعات التي تمر بهزائم أو أزمات تحتاج إلى أبطال تعيد لها الأمل. ولهذا يصنع الناس في ذاكرتهم شخصيات مثل «الهجان»، ليرووا بها قصص الفخر ويشعروا بأنهم أقوى مما يبدو.

كما أن تكرار عرض المسلسل كل عام، خاصة في ذكرى أكتوبر، جعله أكثر من عمل فني؛ فصار طقسًا للذكرى، يتذكر فيه الناس ماضيهم ولا يتخيلون أنفسهم كما هم فقط، بل كما يتمنون أن يكونوا.

الخلاصة

انتصر «رأفت الهجان» مرتين: مرة في الواقع، حين نجح رجل في مهمة استخبارية نادرة؛ ومرة في الوعي العربي، حين صار رمزًا يعالج جرح الهزيمة ويمنح الأجيال الأمل والفخر.

وفي المغرب، لم يكن «الهجان» مجرد شخصية في مسلسل، بل صار حاضرًا في وجدان جيل كامل. تأثرنا به، وتعلقنا به، لأنه جسّد حلمًا عربيًا مشتركًا: أن يكون للإنسان العادي القدرة على النصر، وأن تبقى الكرامة أقوى من الخوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *