الحلقة 47 من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب».. النقيب محمد إمام عبدالنبي شحاتة «فرعون سيناء»
توثيق: د. أحمد علي عطية الله
في سجل أبطال مصر الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن الوطن، تظل سيرة النقيب محمد إمام عبدالنبي شحاتة نموذجًا يجمع بين الشجاعة والانضباط وحسن الخلق والعمل الإنساني، حتى أطلق عليه زملاؤه لقب «فرعون سيناء» لما عرف عنه من التقدم في الصفوف الأولى خلال مواجهة العناصر الإرهابية.
وتأتي هذه السيرة ضمن الحلقة 47 من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»، في محاولة لتوثيق حياة شهيد لم تتوقف علاقته بالخير والعطاء عند حدود عمله العسكري، بل امتدت إلى أسرته وجيرانه وكل من عرفه.
من أبو زعبل إلى صفوف القوات المسلحة
وُلد النقيب محمد عبدالنبي شحاتة في 5 ديسمبر 1991 بمدينة أبو زعبل التابعة لمركز الخانكة بمحافظة القليوبية.
تدرج في مراحل التعليم المختلفة، حتى حصل على ليسانس الحقوق، قبل أن يلتحق بكلية الضباط الاحتياط، بدافع حبه للمؤسسة العسكرية ورغبته في خدمة وطنه من خلالها.
وتخرج ضمن الدفعة 146 ضباط احتياط برتبة ملازم في 27 سبتمبر 2014، ثم خدم بالقوات الخاصة، وتحديدًا ضمن وحدات المظلات.
مقاتل يجمع بين القوة والانضباط
عرف الشهيد محمد شحاتة بحبه للرياضة، خاصة كمال الأجسام ورفع الأثقال، إلى جانب اهتمامه بالقراءة والرماية والقفز بالمظلات.
وكانت بدايته بعد التخرج في وزارة الدفاع ضمن طاقم حرس وزير الدفاع الأسبق الفريق أول صدقي صبحي، قبل انتقاله إلى أنشاص، حيث أُلحق بكلية الضباط الاحتياط ضمن كتيبة القوات الخاصة.
ثم انتقل للخدمة في الفيوم لفترة، قبل عودته مرة أخرى إلى أنشاص، ثم كانت محطته الأخيرة في سيناء، حيث ارتقى شهيدًا أثناء مواجهة الإرهاب في جبل الحلال.
«فرعون سيناء».. في مقدمة الصفوف
بحسب التوثيق الوارد في سيرة الشهيد، شارك محمد شحاتة في عدد من المهام والعمليات النوعية، وكان من أوائل المشاركين في مواجهة التنظيمات الإرهابية خلال العملية الشاملة لمكافحة الإرهاب في سيناء عام 2018.
كما شارك في عملية تحرير 25 مواطنًا مصريًا كانوا محتجزين في ليبيا، وهي العملية التي أعقبها استقبال المواطنين المحررين في مطار القاهرة.
وتذكر سيرته أنه كان أول قافز مظلي ليلي منذ نحو 15 عامًا، في مهمة تعكس مستوى التدريب والانضباط الذي تمتع به.
ومع مشاركته المستمرة في المهام الصعبة وتقدمه في الصفوف الأولى، أطلق عليه زملاؤه لقب «فرعون سيناء».
الصلاة والقرآن والعمل الخيري
لم تكن حياة الشهيد مرتبطة بالعمل العسكري وحده، فقد عُرف، وفقًا لشهادات أسرته ومن عرفوه، بالحرص على أداء الصلاة في أوقاتها، وصيام يومي الاثنين والخميس.
كما كان يقتطع جزءًا من راتبه بصورة منتظمة، ويخصصه لأعمال خيرية، من بينها رعاية طفلين يتيمين والمساهمة في تجهيز عروسين من اليتيمات.
وتكشف هذه التفاصيل جانبًا آخر من شخصيته؛ فالرجل الذي حمل السلاح دفاعًا عن وطنه كان يرى أيضًا أن خدمة الآخرين والعطاء مسؤولية لا تقل أهمية عن واجبه العسكري.
«حاضر».. كلمة اختصرت شخصيته
يصف أهله وجيرانه وزملاؤه محمد بأنه كان صاحب خلق هادئ وقلب رحيم، وأنه لم يكن يتأخر عن مساعدة من يلجأ إليه.
وكانت كلمة «حاضر» هي رده المعتاد على من يطلب منه المساعدة، بحسب شهادات المقربين منه، دون أن يميز بين قريب أو جار أو زميل.
وظلت سيرته الطيبة حاضرة بين أفراد أسرته وزملائه حتى بعد رحيله، بعدما ترك بينهم ذكريات ارتبطت بالشهامة والكرم وحسن المعاملة.
قصة حب لم تكتمل في الدنيا
لم يمض على زواج الشهيد محمد شحاتة سوى ثمانية أشهر عندما استشهد في سيناء، وكانت زوجته وقتها حاملًا.
وبعد استشهاده بأقل من شهرين، وضعت ابنته جوليا، لتصبح الطفلة امتدادًا حيًا لسيرة والدها الذي لم تره إلا من خلال الصور والذكريات والحكايات التي تركها خلفه.
وتروي زوجته إحدى الرؤى التي شاهدت فيها زوجها بعد استشهاده، وهي رواية شخصية تنقلها الأسرة في سياق ذكرياتها عن الشهيد، وتقول إنه أخبرها بأنه في مكان كريم، فكان ردها بالدعاء له والفرح بما تتمنى أن يكون قد ناله من رحمة الله.
«اللهم استودعك زوجتي وما في بطن زوجتي»
ومن أكثر الذكريات تأثيرًا في حياة زوجة الشهيد، كلماته التي قالها في آخر إجازة له قبل استشهاده، عندما دعا:
«اللهم استودعك زوجتي وما في بطن زوجتي، اللهم اجعلها لي زوجة في الدنيا وفي الآخرة».
وتقول زوجته إن هذه الكلمات ظلت عالقة في ذاكرتها، خاصة بعد رحيله، وأصبحت جزءًا من سيرته التي ترويها لابنته وأفراد الأسرة.
آخر ما كتبه الشهيد
كان الشهيد حريصًا على القراءة الدورية في المصحف، وتذكر أسرته أن آخر موضع توقف عنده في قراءته كان عند الجزء الخامس والعشرين.
أما آخر ما كتبه بخط يده، فكان قول الله تعالى:
«﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
سورة القصص – الآية 83»
لتبقى الآية آخر ما خطته يده، وتظل جزءًا من الذاكرة التي تحتفظ بها أسرته عن حياته وإيمانه وقيمه.
يوم الاستشهاد.. 22 أبريل 2018
في 22 أبريل 2018، كان الموعد مع النهاية التي تحولت في ذاكرة أسرته وزملائه إلى بداية لسيرة أخرى عنوانها التضحية.
استشهد النقيب محمد عبدالنبي شحاتة في سيناء، بمنطقة جبل الحلال، أثناء مشاركته في العمليات العسكرية لمواجهة الإرهاب.
وتذكر الرواية التوثيقية أن قائدًا من كتيبة المظلات التي كان يخدم بها اتصل بوالده وأبلغه باستشهاده، مؤكدًا أنه ارتقى وهو يؤدي واجبه.
كما تذكر شهادات زملائه أنه تمكن خلال المواجهات في ذلك اليوم من قتل عدد من العناصر الإرهابية قبل استشهاده.
تكريم يليق بسيرة شهيد
حظيت سيرة الشهيد محمد شحاتة بعدد من مظاهر التكريم، من بينها تكريم الرئيس عبد الفتاح السيسي له ضمن احتفالات يوم الشهيد، ومنحه وسامًا عسكريًا.
كما كرّمته كلية الضباط الاحتياط ضمن عدد من شهداء القوات المسلحة، وكرمته محافظة القليوبية باعتباره أحد أبناء المحافظة الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن الوطن.
كما أُطلقت تسمية الشهيد على مدرسة في مسقط رأسه، في تخليد لسيرته وتضحياته، وليظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الأجيال الجديدة.
سيرة تبقى
رحل النقيب محمد إمام عبدالنبي شحاتة، لكن سيرته بقيت بين أسرته وزملائه وأبناء بلدته.
فالشهادة بالنسبة لأسرته لم تكن نهاية الحكاية، وإنما بداية لمسؤولية جديدة: أن تظل سيرة الشهيد حاضرة، وأن تعرف الأجيال القادمة كيف عاش هؤلاء الرجال، وماذا قدموا من أجل وطنهم.
رحم الله الشهيد النقيب محمد إمام عبدالنبي شحاتة، وأسكنه فسيح جناته، وحفظ مصر وأهلها.
الحلقة 47 من كتاب «شهداء الواجب في حرب مصر ضد الإرهاب»
توثيق: د. أحمد علي عطية الله

