حديث الجمعة
حين يصبح الدين سلوكاً لا مظهراً
بقلم: عبد المجيد عبوبي
في كل جمعة، تتجدد أمامنا أسئلة كثيرة حول علاقتنا بالدين، ليس باعتباره شعائر تؤدى فحسب،
وإنما باعتباره قيمة يفترض أن تنعكس على الإنسان في حياته اليومية، في بيته، وعمله، وطريقته في الحديث، وتعاملاته مع الآخرين.
وقد استوقفني حديث متداول يطرح فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في مضمونها:
هل يكفي أن يكون للإنسان مظهر ديني، بينما يغيب أثر الدين عن سلوكه؟
السؤال لا يستهدف المتدينين، ولا ينتقص من الشعائر، وإنما يضعنا أمام معنى أوسع للتدين.
فالقرآن، حين يحضر في حياة الإنسان، لا ينبغي أن يبقى مجرد صوت يُتلى أو كلمات تُحفظ،
بل يفترض أن يجد طريقه إلى الأخلاق والمعاملة والعدل والرحمة وضبط النفس.
وهنا يصبح الفرق واضحاً بين التدين بوصفه مظهراً، والتدين بوصفه مسؤولية أخلاقية.
فليس كل من تحدث عن الدين قد أحسن تمثيله، وليس كل من أكثر من المظاهر الدينية قد بلغ بالضرورة جوهرها.
وفي المقابل، لا ينبغي أن نحكم على الناس من مظاهرهم وحدها، لأن النوايا وما في القلوب ليست ملكاً للبشر.
أما ما يتعلق بالحسد والعين والرزق والخوف من المجهول،
فقد يلجأ الإنسان إلى الدعاء والقرآن طلباً للطمأنينة والحماية،
وهذا جانب من التدين عند كثير من الناس. لكن المشكلة تبدأ عندما تختزل العلاقة بالقرآن في البحث عن منفعة أو دفع ضرر،
بينما تغيب رسالته الأخلاقية عن الحياة اليومية.
فالقرآن الذي نقرأه في المسجد، ينبغي أن يكون حاضراً أيضاً عندما نختلف، وعندما نغضب، وعندما نملك القدرة على ظلم إنسان أضعف منا.
ما قيمة الكلام عن التقوى إذا كان الإنسان يظلم في معاملاته؟
وما قيمة كثرة الحديث عن الأخلاق إذا كان اللسان يؤذي الناس؟
وما قيمة العبادة إذا لم تمنح صاحبها شيئاً من الصبر والرحمة والعدل؟
هذه ليست أسئلة لإدانة أحد، وإنما هي أسئلة يمكن لكل واحد منا أن يوجهها إلى نفسه قبل أن يوجهها إلى غيره.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الدين إلى مظهر اجتماعي بينما تصبح الأخلاق مسألة ثانوية.
المجتمع لا يحتاج فقط إلى من يتحدث عن الدين، بل يحتاج إلى من يجسد قيمه في سلوكه.
يحتاج إلى الصدق في التجارة، والأمانة في العمل، والرحمة في الأسرة، والعدل عند الاختلاف، واحترام الإنسان حتى عندما نختلف معه.
وفي النهاية، ربما يكون أجمل تدين هو ذلك الذي لا يحتاج إلى كثير من الإعلان عن نفسه؛
لأن الناس يكتشفونه في صاحبه من خلال أخلاقه قبل كلامه، ومن معاملته قبل مظهره.
حديث الجمعة ليس موعظة لأحد، بل وقفة مع الذات:
ماذا بقي من كل ما نقرأ ونسمع ونردد، عندما نخرج إلى الحياة ونقف أمام الإنسان الآخر؟

