في ذكرى رحيل جمال عبد الناصر هل آن الأوان أن يكون الصف العربي يداً واحدة
الرئيسية » في ذكرى رحيل جمال عبد الناصر هل آن الأوان أن يكون الصف العربي يداً واحدة
سياسةمقالات

في ذكرى رحيل جمال عبد الناصر هل آن الأوان أن يكون الصف العربي يداً واحدة

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

في ذكرى رحيل جمال عبد الناصر هل آن الأوان أن يكون الصف العربي يداً واحدة

بقلم: السياسي رامي السيد

في الثامن والعشرين من سبتمبر من كل عام تعود إلى الذاكرة واحدة من أكثر اللحظات تأثيرا في التاريخ المصري والعربي الحديث ذكرى رحيل الزعيم جمال عبد الناصر

الرجل الذي ارتبط اسمه في وجدان الملايين بفكرة الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية ودعم حركات التحرر والقضية الفلسطينية

والحلم العربي الذي ظل حاضرا في خطاب المنطقة لعقود طويلة

تمر السنوات وتتغير الظروف وتتبدل خرائط السياسة وموازين القوى لكن بعض الشخصيات لا تغادر الذاكرة بمجرد رحيلها

لأنها تتحول إلى جزء من التاريخ الذي ما زالت الأجيال تقرأه وتناقشه وتختلف حوله وتبحث في تجاربه عن الدروس التي يمكن الاستفادة منها في الحاضر والمستقبل

ومن هنا تأتي ذكرى رحيل جمال عبد الناصر هذا العام حاملة سؤالا يتجاوز حدود استعادة الماضي

 

هل آن الأوان لأن يكون الصف العربي يداً واحدة

 

ليس المقصود بالسؤال أن تتخلى الدول العربية عن خصوصية كل دولة أو سيادتها أو خياراتها الوطنية

وإنما المقصود هو البحث عن صيغة أكثر قوة وواقعية للتعاون العربي تجعل من المصالح المشتركة مساحة للاتفاق

ومن الاختلاف وسيلة للحوار وليس سببا للصراع أو القطيعة

عبد الناصر والحلم العربي

كان جمال عبد الناصر أحد أبرز القادة العرب الذين حملوا مشروعا يقوم على فكرة التضامن العربي وربط بين استقلال القرار الوطني والتعاون بين الدول والشعوب العربية

وقد شهدت فترة حكمه تجربة الوحدة المصرية السورية عام 1958 عندما قامت الجمهورية العربية المتحدة

وهي تجربة تاريخية انتهت عام 1961 لكنها بقيت إحدى أبرز المحطات التي ارتبطت بفكرة الوحدة العربية في القرن العشرين

وبعيدا عن تقييم التجربة السياسية نفسها وما لها وما عليها فان الدرس الأهم الذي يمكن قراءته اليوم هو أن فكرة التقارب بين الشعوب العربية كانت ولا تزال حاضرة في الوجدان الشعبي

فالعرب تجمعهم لغة واحدة وتاريخ طويل وثقافة مشتركة وروابط اجتماعية وحضارية واقتصادية عميقة كما تجمعهم قضايا وتحديات تتجاوز الحدود السياسية للدول

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا

إذا كانت الشعوب العربية تمتلك كل هذه الروابط فلماذا لا يتحول جزء أكبر منها إلى مشروعات تعاون حقيقية ومستدامة

 

الوحدة ليست بالضرورة دولة واحدة

عندما نتحدث عن الصف العربي الواحد يجب أن نكون واقعيين

العالم تغير كثيرا منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي فالدول العربية اليوم لديها نظم سياسية واقتصادية مختلفة

ومصالح وطنية متعددة وتجارب تنموية متباينة وعلاقات دولية واسعة

ولهذا فان الحديث عن وحدة عربية معاصرة لا يجب أن يختزل بالضرورة في فكرة الدولة الواحدة

ربما تكون البداية الأكثر واقعية في توحيد المواقف في الملفات المشتركة وتوسيع التعاون الاقتصادي ودعم المشروعات العربية المشتركة

وتبادل الخبرات وتعزيز التعاون العلمي والتكنولوجي وتقوية العلاقات الثقافية والاعلامية والشعبية

أن تتعاون الدول العربية في مواجهة الأزمات وأن تتبادل الخبرات في مجالات التعليم والصحة والطاقة والزراعة والصناعة والامن الغذائي

وأن تعمل على تسهيل حركة التجارة والاستثمار وأن تستفيد كل دولة من إمكانات شقيقاتها

هذه ليست أحلاما بعيدة وإنما مجالات يمكن أن يصبح التعاون فيها أكثر فاعلية كلما توافرت الإرادة السياسية والمؤسسات القادرة على تنفيذ الاتفاقات

القضية الفلسطينية.. اختبار حقيقي للتضامن

ولا يمكن الحديث عن التضامن العربي دون التوقف أمام القضية الفلسطينية

فلسطين ظلت لعقود واحدة من أكثر القضايا حضورا في الوجدان العربي وكانت كذلك في عهد جمال عبد الناصر
الذي ارتبط اسمه بدعم القضية الفلسطينية

وبخطاب سياسي جعلها جزءا أساسيا من قضايا المنطقة

واليوم تظل القضية الفلسطينية من الملفات التي تكشف أهمية التنسيق العربي ليس فقط على المستوى السياسي

وإنما كذلك على المستويات الانسانية والدبلوماسية والقانونية والاغاثية

والتضامن لا يعني أن تتطابق كل المواقف والتفاصيل في كل لحظة وإنما يعني أن يكون هناك حد أدنى من التنسيق والتعاون وأن تظل القضايا الكبرى محل اهتمام عربي مشترك

الاقتصاد يمكن أن يكون جسرا للوحدة

إذا كانت السياسة أحيانا تشهد اختلافات في الرؤى فان الاقتصاد يمكن أن يكون واحدا من أهم الجسور التي تقرب بين الدول العربية

العالم اليوم يقوم على التكتلات الاقتصادية الكبرى والدول التي تتعاون فيما بينها تستطيع أن تفتح أسواقا أكبر وتزيد قدرتها على الاستثمار وتبادل التكنولوجيا والخبرات

والمنطقة العربية تمتلك إمكانات ضخمة ومتنوعة دول تمتلك الطاقة وأخرى تمتلك الأراضي الزراعية وأخرى تمتلك الكفاءات البشرية

وأخرى تتمتع بموقع جغرافي مميز إلى جانب دول تمتلك خبرات صناعية وسياحية وتكنولوجية متقدمة

تخيل لو تحولت هذه الامكانات إلى منظومة تعاون متكاملة

ماذا لو أصبح المنتج العربي قادرا على الوصول بسهولة أكبر إلى الأسواق العربية

ماذا لو توسعت المشروعات المشتركة بين الدول العربية

ماذا لو أصبح الاستثمار العربي داخل المنطقة جزءا أكبر من خطط التنمية

ماذا لو أصبح لدينا تعاون عربي أوسع في الأمن الغذائي والطاقة والمياه والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات بقدر ما تحتاج إلى إرادة وعمل وتخطيط طويل المدى

الشباب هم المستقبل

هناك قضية أخرى لا يمكن تجاهلها وهي الشباب العربي

ملايين الشباب يعيشون في مختلف الدول العربية ويحملون طاقات هائلة في مجالات التكنولوجيا والعلوم والاعلام والفنون والرياضة وريادة الأعمال

ولو تم بناء شبكات عربية حقيقية للتعاون بين الشباب والجامعات ومراكز البحث والشركات الناشئة فقد تتحول هذه الطاقات إلى قوة تنموية كبيرة

إن العالم يتغير بسرعة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية والاقتصاد المعرفي أصبحت عناصر رئيسية في قوة الدول

ومن هنا فان التعاون العربي في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا لم يعد رفاهية وإنما أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العصر

الإعلام العربي ومسؤوليته

وهنا يأتي دور الإعلام

فالاعلام يستطيع أن يكون جسرا بين الشعوب كما يستطيع أن يساهم في تقديم صورة أكثر توازنا عن المجتمعات العربية

وإبراز قصص النجاح وتشجيع الحوار ونشر المعرفة وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ المنطقة وتراثها المشترك

والاعلام المسؤول لا يعني تجاهل الاختلافات وإنما يعني مناقشتها بمهنية واحترام والابتعاد عن خطاب الكراهية والتعميم والإساءة للشعوب

نحن في حاجة إلى إعلام عربي يفتح النوافذ بين العواصم العربية ويعرف المواطن المصري بالمواطن المغربي والتونسي والجزائري والسعودي والإماراتي والعراقي والسوري واللبناني

والسوداني واليمني والأردني والفلسطيني والكويتي والقطري والعماني والبحريني والليبي والموريتاني والصومالي والجيبوتي والقمري، وغيرهم من أبناء الوطن العربي الكبير

فالاختلاف في اللهجات والعادات والتقاليد لا يلغي وحدة الجذور والروابط الإنسانية

مصر ودورها العربي

ومصر بحكم تاريخها وموقعها وثقلها الثقافي والحضاري ظلت مرتبطة بالفضاء العربي سياسيا وثقافيا وشعبيا

والعلاقة بين مصر والدول العربية ليست مجرد علاقات رسمية بين حكومات وإنما هي علاقات بين شعوب تمتد لعقود طويلة

وفي هذا السياق، فإن تعزيز التعاون المصري العربي في مجالات الاقتصاد والثقافة والإعلام والتعليم والسياحة والاستثمار يمكن أن يمثل إضافة حقيقية للمنطقة بأكملها

ومصر لا تحتاج إلى أن تنعزل عن محيطها العربي كما أن الدول العربية لا تحتاج إلى أن تعمل منفردة في القضايا التي يمكن أن يكون فيها التعاون أكثر فائدة للجميع

ماذا نتعلم من تجربة عبد الناصر

عند استعادة تجربة جمال عبد الناصر لا ينبغي أن نتعامل مع التاريخ بعقلية التقديس أو الرفض المطلق

التاريخ مدرسة وفي كل تجربة نجاحات وإخفاقات إنجازات وتحديات قرارات صائبة وقرارات قابلة للنقاش

لكن هناك أفكارا كبرى ظلت حاضرة في الوعي العربي من بينها أهمية استقلال القرار الوطني ودعم قضايا التحرر والاهتمام بالفقراء والطبقات الاجتماعية المختلفة وفكرة التضامن العربي

ومن المهم للأجيال الجديدة أن تعرف التاريخ كما حدث وأن تقرأ التجارب بموضوعية وأن تستخلص منها ما يساعدها على بناء المستقبل

فالوفاء للتاريخ لا يكون فقط برفع الشعارات وإنما بفهمه

هل نستطيع أن نختلف دون أن نتفرق

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم

هل تستطيع الدول العربية أن تختلف في بعض القضايا لكنها تتفق في قضايا أخرى

هل نستطيع أن نحافظ على استقلال كل دولة وفي الوقت نفسه نوسع مساحة التعاون

هل يمكن أن تتحول الجامعة العربية والمؤسسات العربية إلى مساحات أكثر فاعلية للتنسيق والحوار

هل يمكن أن يصبح التعاون الاقتصادي والثقافي والعلمي أكثر حضورا في العلاقات العربية

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مسؤولية الحكومات وحدها

الشعوب والمثقفون والإعلاميون والجامعات ورجال الأعمال والشباب ومنظمات المجتمع المدني جميعهم يستطيعون أن يساهموا في بناء جسور التواصل

يد واحدة لا تعني صوتا واحدا

الصف العربي الواحد لا يعني بالضرورة أن يتحدث الجميع بصوت واحد في كل قضية

بل قد يكون المعنى الأعمق هو أن نمتلك القدرة على الحوار والاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة

وأن نضع المصالح المشتركة فوق الخلافات العابرة وأن نتذكر أن قوة المنطقة لا تأتي من الانقسام وإنما من قدرتها على التعاون

نحن أمام عالم تتشكل فيه تحالفات وتكتلات اقتصادية وسياسية كبرى ومن الطبيعي أن تبحث الدول العربية عن صيغة تحفظ مصالحها وتدعم أمنها وتنميتها واستقرارها

وهذا لا يتحقق بالشعارات وحدها

إنما يتحقق بالعمل والمؤسسات والاتفاقات القابلة للتنفيذ والمشروعات المشتركة والثقة المتبادلة

وفي ذكرى الرحيل.. يبقى السؤال

رحل جمال عبد الناصر منذ أكثر من نصف قرن لكن الأسئلة التي ارتبطت بمرحلة كاملة من تاريخ المنطقة ما زالت مطروحة

ما شكل التعاون العربي الذي نحتاجه اليوم

كيف نحول الروابط التاريخية والثقافية بين الشعوب إلى مصالح مشتركة

كيف نمنح الأجيال الجديدة فرصة أكبر للتواصل والعمل المشترك

وكيف يمكن أن يكون للعرب حضور أقوى في عالم سريع التغير دون أن تتخلى كل دولة عن خصوصيتها وسيادتها

ربما لا نحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي بقدر ما نحتاج إلى الاستفادة من دروسه

وربما لا يكون المطلوب أن نعود إلى زمن عبد الناصر وإنما أن نسأل أنفسنا ماذا يمكن أن نتعلم من ذلك الزمن ونحن نعيش تحديات مختلفة تماما

في ذكرى رحيل جمال عبد الناصر تبقى قيمة التضامن العربي فكرة قابلة للنقاش والتطوير ويبقى الحلم بالتعاون بين الشعوب العربية حاضرا

لكن تحقيقه يحتاج إلى عقل واقعي وإرادة سياسية ومؤسسات فاعلة وإيمان بأن المصالح المشتركة يمكن أن تكون نقطة التقاء رغم اختلاف التجارب

رحم الله جمال عبد الناصر ورحم كل من رحلوا وهم يحملون أحلاما لوطنهم وأمتهم

ويبقى السؤال مفتوحا أمام الأجيال

هل آن الأوان أن يكون الصف العربي يداً واحدة

ليس ضد أحد وإنما من أجل شعوب المنطقة ومن أجل التنمية والاستقرار ومن أجل مستقبل عربي يستطيع أن يحافظ على هويته، ويصنع مكانه في عالم يتغير كل يوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *