الإنسان ما بين الرضا بالقدر وعناد النفس البشرية ... !!! - النايل نيوز
الرئيسية » الإنسان ما بين الرضا بالقدر وعناد النفس البشرية … !!!
مقالات

الإنسان ما بين الرضا بالقدر وعناد النفس البشرية … !!!

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

الإنسان ما بين الرضا بالقدر وعناد النفس البشرية … !!!

كتب : وائل عباس

 

قد يتعرض الإنسان وسط تقلبات الحياة وتبدل أحوالها ، إلى أحداث مفاجئة تقلب موازينه رأسًا على عقب ؛ فبعد الرخاء ورغد العيش والنجاحات المتتالية ،

أو حتى بعد سنوات من الاستقرار ، قد تأتي لحظة واحدة يجد فيها الإنسان نفسه أمام واقع جديد لم يختره ،

وظروف لم يستعد لها ، وأبواب كانت مفتوحة بالأمس فإذا بها تُغلق دون سابق إنذار .

وفي مثل هذه اللحظات تتغير أشياء كثيرة من حول الإنسان ؛ فقد يكتشف أن بعض من ظنهم أهلًا وأصدقاء لم يكونوا كذلك ،

وقد يتراجع آخرون عن المساندةحتى بالكلمة الطيبة والدعم المعنوي ، بينما يظهر في المشهد من يحملون الحسد أو الغل أو المصالح الشخصية .

وقد يكون أقسى ما في الأزمة ليس فقدان المال أو المكانة أو العلاقات ، وإنما ذلك الشعور الداخلي بأن الإنسان أصبح وحيدًا في مواجهة واقع لم يكن مستعدًا له .

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية … ليست مع الناس فقط، وإنما مع النفس أيضًا

فقد تتكاثر الهواجس وتزداد المخاوف ، ويبدأ العقل في استعادة الماضي ومحاولة تفسير ما حدث ، بينما يبحث الإنسان عن إجابة لسؤال واحد :

لماذا حدث كل هذا … ؟؟؟

والحقيقة التي ينبغي أن يتذكرها الإنسان في هذه اللحظات أن الحياة لا تسير دائمًا وفق ما نخطط له ، وأن الإيمان الحقيقي يظهر بصورة أوضح عندما تضيق المساحات من حولنا .

قال الله تعالى :
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
صدق الله العظيم.
[البقرة: 216]

وهذه الآية تحمل معنى عظيمًا في التعامل مع الأزمات ؛ فالإنسان يرى اللحظة بينما علم الله محيط بالبداية والنهاية ، وقد يظن الإنسان أن ما فقده شر محض ، بينما يكون في فقدانه باب جديد لم يكن يراه .

الرضا بالقضاء لا يعني الأستسلام للضعف

من المهم أن نفرق بين الرضا بقضاء الله وبين الأستسلام السلبي للواقع .

فالرضا هو أن يؤمن الإنسان بأن ما وقع قد وقع بعلم الله وقدره، وأن يتقبل الحقيقة دون اعتراض على حكمة الله ، ثم يبدأ بعد ذلك في البحث عن الطريق الذي يستطيع من خلاله أن يتجاوز أزمته.

أما الاستسلام السلبي فهو أن يتوقف الإنسان عن العمل، ويترك نفسه فريسة لليأس، ويعتبر أن انتهاء مرحلة من حياته يعني انتهاء الحياة كلها .

والإسلام لا يدعو الإنسان إلى اليأس أو القعود .

قال الله تعالى :
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
[الشرح: 5-6]

ولم يقل الله إن العسر هو نهاية الطريق ، وإنما جاء التأكيد بأن مع العسر يسرًا .

 

إن الأزمات تكشف للإنسان أشياء كثيرة

فقد تكشف له حقيقة بعض العلاقات ، وتعلمه ألا يضع قلبه وثقته بالكامل في البشر ، وأن يجعل علاقته بالله هي الأساس الذي لا يتغير بتغير الظروف .

فالناس قد تتغير والمصالح قد تتبدل ، والظروف قد تفرق بين أقرب الناس ، لكن الله سبحانه وتعالى لا يتغير ولا يتخلى عن عبده .

قال تعالى :
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾
[الزمر: 36]

وكم من إنسان ظن أن أبواب الحياة أُغلقت في وجهه ، ثم اكتشف بعد سنوات أن الباب الذي أُغلق كان يحميه من طريق لم يكن مناسبًا له ،

وأن الخروج من مكان أو علاقة أو مرحلة كان بداية لمرحلة أكثر نضجًا ووعيًا .

ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يحكم على حياته من خلال صفحة واحدة منها.

 

لا تجعل الخسارة تهزمك … !!!

فقد يخسر الإنسان مالًا أو عملًا، أو مكانة، أو علاقة، أو فرصة كان ينتظرها طويلًا .

وقد يكون الفقد مؤلمًا بالفعل ، ولا يوجد في الدين ما يطلب من الإنسان أن ينكر مشاعره أو يتظاهر بأن الألم لا يؤلمه.

لكن المطلوب هو ألا يتحول الألم إلى انهيار دائم .

قال الله تعالى :
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
[البقرة: 155]

فالأبتلاء سنة من سنن الحياة ، والصبر ليس معناه ألا تحزن ، وإنما ألا يسمح الإنسان للحزن بأن يسلبه إيمانه وعقله وقدرته على الأستمرار .

ماذا يفعل الإنسان عندما تحاصره الأزمة … ؟؟؟

أولًا : يتوقف عن اتخاذ القرارات المصيرية تحت تأثير الصدمة .

ففي لحظات الأنكسار قد يرى الإنسان الدنيا كلها مظلمة ، وقد يتخذ قرارات يندم عليها عندما تهدأ مشاعره .

ثانيًا : يعود إلى الله .

الصلاة، والدعاء، والاستغفار ، وقراءة القرآن ليست مجرد طقوس يؤديها الإنسان ، وإنما يمكن أن تكون مصدرًا للسكينة وإعادة ترتيب النفس .

قال تعالى :
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: 28]

ثالثًا : يجب على الإنسان أن يفصل بين ما يستطيع تغييره وما لا يستطيع تغييره.

ما حدث وانتهى لا يمكن تغييره ، لكن يمكن تغيير طريقة التعامل معه، ويمكن التعلم من أسبابه، ويمكن إصلاح النتائج التي ما زال إصلاحها ممكنًا .

رابعًا : يأخذ بالأسباب .

الإيمان بالقدر لا يعني ترك العمل .
فالإنسان مطالب بأن يسعى ويخطط ويجتهد ، ثم يترك النتائج لله .

قال تعالى:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾
[النجم: 39-40]

خامسًا : لا يجعل كلام الناس معيارًا لقيمته .

فمن أخطر نتائج الأزمات أن يبدأ الإنسان في قياس نفسه من خلال مواقف الآخرين منه .

قد يتخلى عنك شخص كنت تظنه سندًا ، وهذا مؤلم لكنه لا يعني أنك بلا قيمة .

وقد يخذلك شخص وثقت به ، وهذا لا يعني أن الثقة نفسها خطأ ، وإنما يعني أن الإنسان يحتاج إلى أن يتعلم كيف يضع ثقته في موضعها الصحيح.

أحيانًا يكون الفقد بداية

ليس معنى ذلك أن كل خسارة خير ، أو أن كل ألم يجب أن نبحث له فورًا عن تفسير إيجابي ؛ فبعض الأحداث مؤلمة بالفعل ، وبعض الخسائر تترك آثارًا عميقة .

لكن المؤمن يستطيع أن يحول المحنة إلى درس، والخسارة إلى خبرة، والأنكسار إلى بداية جديدة.

قال الله تعالى :
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾

فما نراه نهاية قد يكون بداية ، وما نظنه سقوطًا قد يكون إعادة ترتيب، وما نعتبره حرمانًا قد يكون حماية من أمر لا نعلمه.

ولهذا لا ينبغي أن يستعجل الإنسان تفسير أقدار الله.
ومن أكثر ما يستنزف الإنسان أثناء الأزمات أن يعيش في دائرة:

“لو أنني فعلت”، و”لو أنني لم أثق”، و”لو أنني اتخذت قرارًا آخر”.

الماضي يمكن التعلم منه ، لكنه لا يمكن العيش فيه.
خذ من التجربة درسها، واعترف بأخطائك إن وجدت، أصلح ما تستطيع إصلاحه، ثم تحرك إلى الأمام.

قال تعالى :
﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾
[الحديد: 23]

إنها دعوة إلى التوازن؛ فلا يجعلنا ما فقدناه أسرى للحزن، ولا يجعلنا ما امتلكناه أسرى للغرور.

في النهاية… سلّم أمرك لله ولكن لا تتوقف

حين تضيق الدنيا بالإنسان، عليه أن يتذكر أن الأزمات مهما طالت ليست أبدية.

قد تتغير الظروف، وقد تتبدل الوجوه، وقد تضيق الأبواب، لكن رحمة الله أوسع من كل أزمة.

قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾
[الطلاق: 3]

لذلك، عندما تجد نفسك أمام واقع لم تختره، لا تحاول إنكار الحقيقة، ولا تسمح لها في الوقت نفسه بأن تهزمك.

ارضَ بما لا تستطيع تغييره، واعمل على ما تستطيع تغييره، واستعن بالله، وخذ بالأسباب، ولا تفقد الأمل.

فقدان شخص ليس نهاية الحياة، وفقدان المال ليس نهاية الرزق، وإغلاق باب ليس نهاية الطريق، وسقوط مرحلة لا يعني سقوط الإنسان.

وأحيانًا تكون أعظم حكمة في الحياة أن تتعلم كيف تقول بقلب مطمئن :

“اللهم إني رضيت بما قسمت لي، فدبّر لي فإني لا أحسن التدبير، واختر لي ولا تخيرني لنفسي.”

ثم تنهض من جديد …
فالحياة لا تتوقف عند خسارة ، والمؤمن لا يقاس بما فقده ، وإنما بما استطاع أن يصنعه بعد الفقد ؛ ويجب أن تتعلم سياسة الرضا عند التنازل والفقدان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *