وهم الفضيلة..بقلم ريهام عبدالواحد - النايل نيوز
الرئيسية » وهم الفضيلة..بقلم ريهام عبدالواحد
اخبارمحافظاتمقالات

وهم الفضيلة..بقلم ريهام عبدالواحد

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

 

سؤال

هل يمكن للإنسان أن يعبر جسر الحياة من بدايته إلى نهايته، وهو يحمل في حقيبته هوية لا تخصه؟
هذا السؤال الموغل في قسوته يطرق أبواب الروح في ليالي العزلة الباردة. والإجابة المرعبة هي: نعم. قد يعيش المرء عمره بأكمله معتقداً أنه شخص ما، يدافع عن مبادئ لم يخترها، ويمارس حياة لم يصممها، بينما حقيقته تقبع في زاوية مظلمة من روحه، تنتظر من يكتشفها، وقد لا تُكتشف أبداً.

الأقنعة

نحن لا نولد بأقنعة، بل نولد كصحائف بيضاء خفيفة، لكن سرعان ما تبدأ الحياة في رسم ملامحنا نيابة عنا. العائلة، المجتمع، الأصدقاء، وحتى صدف الأيام، كلها أيادٍ خفية تشارك في نحت تمثال نُحبس بداخله. نتقمص دور “الابن المطيع”، أو “الموظف الناجح”، أو “الصديق الوفيٌ الذي لا يخون” .

 

التصاق القناع

ومع مرور السنوات، يلتصق القناع بالوجه حتى نعجز عن التمييز بينهما. نصدق تماماً أننا هذا التمثال الرخامي، بينما نحن في الحقيقة نهر من المشاعر والأحلام المتمردة التي جرى طمسها لتناسب إطار الصورة التي يتوقعها الآخرون.

 

الجهل بالذات

المأساة الأكبر لا تكمن في الجهل بالذات، بل في اليقين الزائف. الإنسان الذي يعيش خارج حقيقته يدافع بشراسة عن هذا الوهم، يبني حوله القلاع، ويخوض معارك طاحنة لحماية “أنا” مزيفة لا تمت لجوهر روحه بصلة. يختار دراسة لا يحبها لأنها تمنحه الوجاهة، يرتبط بمن يناسب المعايير الاجتماعية لا من يهواه قلبه، ويركض لاهثاً في مضمار سباق لم يختره، فقط ليحصد تصفيقاً من غرباء لا يعرفون عنه سوى القشرة الخارجية.

العمر

يمر به العمر وهو يظن أنه حقق ذاته، بينما هو في الواقع حقق ذوات الآخرين فيه.

لكن الروح لا تصمت تماماً، بل تتململ تحت وطأة هذا الزيف. تأتي تلك اللحظات الخاطفة؛ ربما إثر أزمة طاحنة، أو في صمت يسبق الفجر، أو عند التحديق الطويل في مرآة عابرة. يلمح المرء طيفاً غريباً في عينيه، ويسمع همساً داخلياً يسأل: “هل هذا حقاً أنا؟ هل هذه الحياة التي أردتها؟”. هذا السؤال هو أعمق مفترق طرق يمكن أن يواجهه إنسان. إما أن يرتعب من الإجابة ويهرب عائداً إلى دفء الوهم المألوف، ليواصل نومه العميق، وإما أن يمتلك الشجاعة ليقف أعزل أمام حقيقته. وهو موقف قاسٍ يتطلب هدم كل ما بُني على باطل، والبدء من نقطة الصفر.

السجون القاسية

إن العيش في جلباب شخص آخر هو أقسى أنواع السجون، لأن السجين فيه هو السجان نفسه. قد ينتهي العمر، ويوارى الإنسان الثرى، وهو لم يعش من حياته الحقيقية سوى يوم واحد أو أقل، تاركاً وراءه قصة كُتبت بخط يده ولكن بكلمات غيره. ولكن، ما دامت الأنفاس تتردد، فإن فرصة الانعتاق والعودة إلى الذات تظل قائمة. أن تكتشف حقيقتك المتأخرة في خريف العمر، وتعانق ندوبك وأحلامك المؤجلة، خير من أن تقضي فصول حياتك كلها كشجرة بلا جذور، تتمايل

مقالات #ريهام عبدالواحد #

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *