سر الترددات والذبذبات.. هل يتحدث الكون بلغة لا نسمعها؟
الرئيسية » سر الترددات والذبذبات.. هل يتحدث الكون بلغة لا نسمعها؟
خواطر

سر الترددات والذبذبات.. هل يتحدث الكون بلغة لا نسمعها؟

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

سر الترددات والذبذبات.. هل يتحدث الكون بلغة لا نسمعها؟

هل يمكن أن تكون الذبذبات والموجات أكثر من مجرد ظاهرة فيزيائية نستخدمها في الاتصالات والصوت والإلكترونيات؟

وهل يمكن أن تقودنا فكرة «التردد» إلى قراءة مختلفة لبعض الآيات والقصص القرآنية المرتبطة بداود وسليمان والطير والجبال والحديد والريح؟

✍️ بقلم/ د.أحمد الجندي – كاتب و باحث علمي 

هذا هو السؤال الذي ينطلق منه هذا الطرح، الذي يحاول الربط بين مفاهيم التردد والاهتزاز والرنين، وبين مجموعة من الآيات والقصص الواردة في القرآن الكريم.

 

لكن قبل الدخول في التفاصيل، هناك نقطة مهمة:

 

هذا النص يقدم قراءة تأملية وافتراضات فكرية تربط بين النص القرآني وبعض المفاهيم العلمية، ولا يمثل بحثًا فيزيائيًا محكّمًا،

كما أن بعض الاستنتاجات الواردة فيه لا تُعد من الحقائق العلمية المثبتة.

ولذلك فالمطلوب من القارئ أن يقرأه باعتباره مساحة للتدبر وطرح الأسئلة، لا باعتباره تفسيرًا علميًا نهائيًا للقرآن أو بديلًا عن علوم الفيزياء والتفسير.

 

هل للكون لغة؟

 

من أبسط الحقائق التي يعرفها علم الفيزياء أن العالم من حولنا مليء بالموجات والاهتزازات.

 

الصوت موجة، والضوء موجة كهرومغناطيسية، والموجات الراديوية تدخل في صناعة الاتصالات،

وهناك نطاقات واسعة من الإشعاع لا تستطيع حواس الإنسان إدراكها مباشرة.

 

الإنسان نفسه لا يسمع إلا نطاقًا محدودًا من الترددات الصوتية،

بينما توجد ترددات أدنى وأعلى من هذا النطاق لا يسمعها الإنسان بأذنه المجردة.

 

ومن هنا يبدأ السؤال:

إذا كانت حواسنا لا تدرك إلا جزءًا صغيرًا من العالم الفيزيائي، فكم من الظواهر موجود حولنا ولا ندركها مباشرة؟

هذه الحقيقة العلمية البسيطة يمكن أن تفتح بابًا للتأمل، وربما أن «كل شيء في الكون عبارة عن تردد» 

وهنا تبدأ المسافة بين العلم والتأمل.

 

داود والحديد.. هل كان الأمر علمًا أم معجزة؟

 

يستند الطرح إلى قول الله تعالى:

﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾

وقوله:

﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾.

كما يستشهد بقوله تعالى:

﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.

 

فهل هناك احتمال أن تكون هذه الآيات إشارة إلى معرفة دقيقة بخصائص المادة وكيفية تشكيلها واستغلال خصائصها.

 

وهنا توجد بالفعل نقطة تستحق التفريق:

القرآن يخبرنا أن الله علّم داود صنعة اللبوس وألان له الحديد،

لكن الانتقال من هذه الآيات إلى القول إن داود امتلك تحديدًا «علم الترددات» بالمعنى الفيزيائي الحديث هو استنتاج تأويلي يحتاج إلى دليل مستقل.

 

وهذا الفرق مهم.

 

فالآية تثبت العلم الذي علّمه الله لنبيه داود، لكنها لا تحدد لنا بلغة الفيزياء الحديثة اسم القانون أو المعادلة التي استخدمها.

 

الجبال.. لماذا تتكرر مع داود؟

 

من أكثر المواضع إثارة للتأمل ارتباط داود بالجبال والطير.

 

قال تعالى:

﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾.

وقال:

﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾.

 

وهنا يطرح النص سؤالًا:

هل يمكن أن يكون في الأمر علاقة بالصوت والاهتزاز والرنين؟

 

من الناحية الفيزيائية، الرنين ظاهرة حقيقية تحدث عندما يتعرض نظام ما لتردد قريب من تردده الطبيعي،

وقد يؤدي ذلك في ظروف معينة إلى تضخيم الاهتزاز.

 

لكن لا يصح الانتقال من هذه الحقيقة إلى القول إن تسبيح الجبال مع داود كان نتيجة «رنين فيزيائي» إلا بدليل يثبت ذلك.

 

ومع ذلك، يبقى السؤال التأملي مفتوحًا:

 

هل هناك في الطبيعة مستويات من التفاعل بين الصوت والمادة لا تزال معرفتنا بها محدودة؟

 

من الصوت إلى الرنين

 

الرنين ليس مفهومًا غامضًا في الفيزياء.

الجسور، والأوتار، والدوائر الكهربائية، والبلورات، والآلات الموسيقية، وغيرها من الأنظمة يمكن أن تستجيب بصورة مختلفة تبعًا للتردد.

 

ومن هنا جاءت الفكرة  عن إمكانية وجود علاقة بين الصوت والمادة.

لكن يجب الانتباه إلى أن «الرنين» لا يعني أن أي مادة يمكن التحكم فيها بمجرد إصدار صوت معين،

ولا يعني أن الصوت يستطيع تلقائيًا تحويل المادة إلى طاقة أو نقلها من مكان إلى آخر.

 

هذه أفكار تحتاج إلى إثبات تجريبي مستقل.

 

الكوارتز.. من البلورة إلى الاتصالات

 

يستند الطرح أيضًا إلى الكوارتز والسيليكون، وهما بالفعل مادتان مهمتان جدًا في التكنولوجيا الحديثة.

وللكوارتز خاصية كهرضغطية معروفة؛ أي أن الضغط الميكانيكي عليه يمكن أن يرتبط بتوليد شحنة كهربائية، والعكس في ظروف معينة.

وتُستخدم خصائص الكوارتز في تطبيقات عديدة، منها دوائر التوقيت والمذبذبات الدقيقة.

 

لكن هناك تصحيح مهم هنا:

 

الكوارتز ليس هو المادة التي «تضخم جميع الذبذبات»، كما أن طبق استقبال الأقمار الصناعية لا يعمل ببساطة لأن «كريستالة تتذبذب على تردد القناة».

 

الأنظمة الحديثة تستخدم هوائيات ودوائر إلكترونية ومذبذبات ومرشحات ومكونات لمعالجة الإشارة وتحويلها وتضخيمها واختيار النطاق المطلوب.

 

وهذا لا يقلل من روعة الفكرة الأصلية، بل يجعلها أكثر دقة.

 

هل يمكن أن يكون القلب مستقبلًا للترددات؟

 

ننتقل سوياً بعد ذلك من الفيزياء إلى الإنسان، ونطرح تصورًا بأن العقل والقلب يعملان كمراكز للإرسال والاستقبال،

وأن المشاعر والأفكار والنيات يمكن النظر إليها باعتبارها «ترددات».

وهنا يجب التفريق بين مستويين.

المستوى الأول: ما نعرفه علميًا

الجسم البشري ينتج إشارات كهربائية وكيميائية،

والقلب والدماغ والجهاز العصبي يعملون من خلال عمليات كهربائية وكيميائية معقدة يمكن قياس بعضها بأجهزة متخصصة.

 

أما المستوى الثاني فهو التأويل الفلسفي:

هل يمكن أن نصف المشاعر والأفكار مجازًا بأنها «ترددات»؟

هذا ممكن كلغة تأملية، لكن وصف الفكرة بأنها موجة فيزيائية محددة لها تردد قابل للقياس يحتاج إلى تعريف وتجربة وقياس.

 

وهنا تحديدًا ينبغي ألا نخلط بين المجاز العلمي والحقيقة التجريبية.

 

سليمان وعرش بلقيس.. السؤال الأكثر إثارة

 

من أكثر أجزاء الطرح إثارة قصة عرش بلقيس.

قال تعالى:

﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.

ثم:

﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾.

 

و أطرح هنا عدة احتمالات:

 

  • هل نُقل العرش بالفعل؟
  • هل كانت هناك صورة أو نسخة منه؟
  • هل كان الأمر متعلقًا بتحويل المادة أو الطاقة؟
  • هل كان «علم من الكتاب» علمًا خاصًا لا نعرف آليته؟

هذه أسئلة مثيرة، لكن القرآن لا يقدم لنا معادلة فيزيائية تحدد كيفية حدوث الأمر.

 

لذلك فإن ربط القصة مباشرة بالكوارتز أو بسرعة الضوء أو بنظرية معينة في نقل المادة يظل فرضية تأملية، وليس نتيجة علمية مثبتة.

 

أين تبدأ حدود العلم؟

وهنا ربما تكون أهم نقطة في المقال كله.

ليس كل ما لا نفهمه الآن قانونًا فيزيائيًا سريًا.

وليس كل ظاهرة مذكورة في القرآن مطالبة بأن نجد لها فورًا تفسيرًا بمعادلة من الفيزياء الحديثة.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحول عدم امتلاكنا لتفسير علمي لظاهرة ما إلى القول باستحالة البحث فيها.

 

الطريق الأكثر أمانًا هو أن نقول:

  • هذه آية.
  • وهذا تفسير محتمل.
  • وهذا سؤال علمي.
  • وهذه فرضية تحتاج إلى تجربة.
  • وهذا أمر لم يثبت بعد.

بهذه الطريقة نستطيع أن نحافظ على قدسية النص الديني، وفي الوقت نفسه نحافظ على قواعد البحث العلمي.

 

هل التردد هو «لغة الكون»؟

ربما يكون التعبير الأدق هو أن الترددات والموجات واحدة من اللغات التي نصف بها جانبًا كبيرًا من الظواهر الطبيعية.

 

لكن القول بأنها «لغة الكون الوحيدة» يحتاج إلى أكثر من التأمل.

فالكون كما نعرفه في الفيزياء لا يوصف بمفهوم واحد فقط، وإنما بمجموعة واسعة من القوانين والمفاهيم:

المادة والطاقة والزمن والمجالات والقوى والموجات والجسيمات وغيرها.

ومع ذلك، فإن فكرة البحث عن «لغة» يفهم بها الإنسان الطبيعة تظل فكرة فلسفية عميقة.

لقد حاول الإنسان عبر التاريخ أن يفهم الكون من خلال الأرقام والهندسة والموسيقى واللغة والرياضيات،

ثم جاءت الفيزياء الحديثة لتكشف أن كثيرًا من الظواهر يمكن وصفها رياضيًا بدرجة مذهلة من الدقة.

 

وربما يكون السؤال الأهم ليس:

«هل كل شيء تردد؟»

بل:

«كم من العالم من حولنا لا ندركه لأن أدواتنا وحواسنا محدودة؟»

وهذا السؤال وحده يستحق التدبر.

 

بين العلم والتدبر

القرآن يدعو إلى النظر والتفكر والتدبر، لكن التدبر لا يعني بالضرورة تحميل كل آية نظرية علمية محددة.

والعلم بدوره لا يتوقف عن طرح الأسئلة.

لذلك فإن المساحة المشتركة بينهما يمكن أن تكون مساحة للتأمل، بشرط ألا نحول الاحتمال إلى حقيقة،

ولا الفرضية إلى قانون، ولا التشابه بين مفهومين إلى دليل على أنهما الشيء نفسه.

ويبقى الكون، بكل ما فيه من موجات وأصوات وأضواء وحركة وطاقة ومادة، واحدًا من أعظم أبواب السؤال الإنساني:

 

كيف يعمل كل هذا؟

وكم من أسراره ما زال خارج حدود إدراكنا؟

وربما تكون أعظم قيمة في البحث ليست أن نصل سريعًا إلى الإجابة، وإنما أن نتعلم كيف نطرح السؤال الصحيح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *