كلمات بلا توابل.. حين تتوقف الكتابة عن إرضاء الجميعبقلم: ريهام عبدالواحد
الرئيسية » كلمات بلا توابل .. بقلم ريهام عبدالواحد
منوعات

كلمات بلا توابل .. بقلم ريهام عبدالواحد

كتب المقال بواسطة أ/

في وقت ما، كنت أظن أن على الكلمات أن تكون مطهية بعناية؛ أن أختار ألفاظها كما يختار الطاهي توابله، وأن أخفف حدتها،

وأزيد من حلاوتها، وأقدمها في طبق يرضي الجميع. كنت أؤمن أن الكلمة الجميلة هي التي تجد طريقها إلى القلوب دون مقاومة،

وأن الكاتب الجيد هو من يعرف كيف يقول الحقيقة بطريقة لا تزعج أحدًا.

ثم أدركت أنني كنت أطبخ الحقيقة حتى فقدت طعمها.

كنت أضع عليها كثيرًا من التوابل حتى لا يشعر أحد بمرارتها، وأغلفها بالبلاغة حتى لا تبدو جارحة،

وأعيد ترتيبها مرات كثيرة حتى تصبح قابلة للابتلاع. حتى صرت أحيانًا لا أعرف: أأنا أكتب ما أشعر به، أم ما يحب الآخرون أن يسمعوه؟

وكان ذلك أكثر أشكال الخذلان هدوءًا؛ أن يخون الإنسان صوته وهو يظن أنه يحسن التعبير.

لذلك توقفت.

لم أعد أطبخ الكلمات لأجل أحد. لم أعد أضيف إليها السكر كي تمر في أفواه اعتادت المذاق الحلو،

ولا أضع عليها العسل كي أخفي مرارة التجربة. صرت أتركها كما خرجت مني؛ ساخنة من وجعها، خشنة من حقيقتها، وربما نيئة أحيانًا، لكنها لي.

فالصدق لا يولد دائمًا جميلًا.

بعض الحقائق تخرج من الروح مضرجة، تحمل آثار المعارك التي مرت بها، وبعض المشاعر لا يمكن تهذيبها دون أن نفقد شيئًا من حقيقتها.

هناك كلمات لا تصلح للموائد الفاخرة، لكنها تصلح لأن توقظ إنسانًا نام طويلًا داخل نفسه.

ولست معنيًا بعد الآن بأن تعجب كلماتي الجميع.

فالكلمات التي ترضي الجميع غالبًا لا تقول شيئًا حقيقيًا. أما الكلمة الصادقة،

فلابد أن تزعج أحدًا؛ لأنها تلمس مكانًا يحاول صاحبه أن يخفيه، أو تفتح نافذة أغلقها طويلًا، أو تضع مرآة أمام وجه لم يعد يرغب في رؤيته.

لقد تعلمت أن الكتابة ليست مطعمًا مفتوحًا على مدار الساعة، وأن الكاتب ليس طاهيًا مهمته إرضاء جميع الأذواق.

أنا لا أكتب لأملأ الفراغ، ولا لأجمع حول كلماتي أكبر عدد من المصفقين. أكتب لأن في داخلي شيئًا يريد أن يخرج،

ولأن بعض الصمت يصبح أثقل من الكلام، ولأن الحقيقة حين تبقى حبيسة القلب طويلًا تتحول إلى ثقل لا يشبه الحياة.

ومنذ أن توقفت عن إرضاء الأذواق، بدأت أتعرف إلى الذين يشبهونني.

أولئك الذين لا يبحثون عن الكلمات المنمقة، بل عن كلمة تشبه جرحًا قديمًا.

الذين لا يريدون نصًا يربت على أكتافهم، بل نصًا يقول لهم: نعم، أنا أيضًا عرفت هذا الألم. نعم، شعرت بهذا الخوف. نعم، مررت من هنا ولم أخرج كما دخلت.

هؤلاء هم الجائعون الذين أكتب لهم.

لا يجوعون إلى الكلام، بل إلى شيء صادق يثبت لهم أنهم ليسوا وحدهم.

ولذلك لم يعد يؤلمني أن تمر كلماتي دون تصفيق، أو أن يجدها البعض قاسية، أو أن ينصرف عنها من اعتادوا الكتابة التي تُرضي ولا توقظ.

فليس كل ما يُبتلع غذاء، وليس كل ما يصفق له الناس يستحق أن يُقال.

وأحيانًا تكون الكلمة التي لا يستطيع أحد ابتلاعها، هي الكلمة التي كان الجميع يحتاج إلى سماعها.

لقد كففت عن طهو الكلمات.

تركتها كما هي؛ بملوحة دموعها، ومرارة تجاربها، وخشونة حقيقتها.

ومن أرادها فليأخذها كما خرجت من الروح.

أما الذين اعتادوا السكر، فلا شأن لي بذوقهم؛
فالحقيقة لم تُخلق لتكون حلوة…
بل لتكون حقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *