الطريق إلى باب المندب بلا وصاية خارجية
عدنان عبدالله الجنيد.
حين تتحول الجغرافيا اليمنية من ساحة نفوذ إلى ورقة سيادية
المعادلة اليمنية اليوم تدخل مرحلة أكثر وضوحًا:
السيادة في مواجهة الوصاية، والسلام في مواجهة العدوان، والتصعيد مقابل التصعيد، والحصار مقابل الحصار.
وما يجري في الساحل الغربي لا يمكن قراءته باعتباره حدثًا عسكريًا منفصلًا، بل باعتباره جزءًا من صراع أوسع
حول القرار اليمني وموقع اليمن في معادلة البحر الأحمر.
فالعمليات الجارية،
وفق الرؤية اليمنية، محددة الأهداف ومرتبطة بالسياق الدفاعي، وتتوقف بتوقف العدوان ورفع الحصار.
أما التحرك في المناطق الساحلية فيندرج في إطار فرض السيادة الوطنية ومواجهة التحديات والأطماع التي تهدد أمن اليمن واستقراره.
والأهم أن صنعاء لا تطرح مشروعًا توسعيًا ضد دول الجوار، بل تطرح معادلة واضحة:
السلام العادل والمشرف، وحسن الجوار، والاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة.
ومن هنا تأتي قضية الملاحة البحرية في البحر الأحمر.
فالموقف اليمني يميز بين أمن الملاحة وبين العمليات المرتبطة بالعدوان والحصار؛
ولذلك فإن البحر الأحمر ليس ساحة لإغلاق الملاحة أمام العالم، وإنما ورقة سيادية في مواجهة من يشارك في الحرب على اليمن أو يفرض عليه الحصار.
باب المندب في الحساب الإسرائيلي
وهنا يبرز البعد الأكثر حساسية في المعادلة: الكيان الصهيوني ينظر إلى باب المندب باعتباره شريانًا استراتيجيًا يرتبط بمصالحه التجارية والأمنية وحركته البحرية.
ولذلك فإن تحول اليمن إلى قوة سيادية فاعلة في البحر الأحمر يحد من حرية المناورة الإسرائيلية،
ويضعف محاولات إدارة هذه الجغرافيا عبر تحالفات بحرية خارجية تخدم مصالح تل أبيب وشركائها.
ما يقلق الكيان الصهيوني ليس مجرد احتمال تعطيل الملاحة،
بل ظهور يمن قادر على فرض معادلة ردع وسيادة في منطقة كانت تُدار طويلًا وفق حسابات القوى الكبرى.
ومن هنا يصبح باب المندب جزءًا من الصراع على مستقبل البحر الأحمر، وعلى قدرة الكيان على حماية خطوطه ومصالحه في ظل اتساع جغرافيا المقاومة.
كماشة البحار.. هرمز وباب المندب
وهنا تظهر إحدى أهم التحولات الاستراتيجية: تكامل الأدوار بين مضيق هرمز ومضيق باب المندب، أو ما يمكن تسميته «كماشة البحار».
فهرمز يتحكم في بوابة الطاقة بين الخليج والمحيط، وباب المندب يتحكم في بوابة البحر الأحمر نحو المحيط الهندي وقناة السويس؛
وعندما تصبح المضائق الحيوية جزءًا من معادلة إقليمية واحدة، فإن تأثيرها يتجاوز حدود الدول إلى حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
ليست الفكرة أن المضيقين يتحركان بالطريقة نفسها، بل إن أهميتهما تنبع من تكامل موقعهما وتأثيرهما:
هرمز في الشرق وباب المندب في الجنوب الغربي، وبينهما شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية.
ولذلك فإن أي تغيير في قواعد السيطرة أو النفوذ حول أحدهما ينعكس على الحسابات المتعلقة بالآخر.
ومن هذه الزاوية، فإن اليمن لا ينظر إلى باب المندب كجغرافيا منفصلة،
بل كجزء من معادلة بحرية أوسع تتقاطع فيها مصالح اليمن وفلسطين والمنطقة، وتعيد تعريف مفهوم الردع الاقتصادي والاستراتيجي.
وهنا تتحول كماشة البحار من مجرد توصيف جغرافي إلى معادلة ضغط إقليمية تجعل التحكم بالممرات الحيوية أكثر كلفة على القوى التي تريد احتكار القرار البحري.
بعد سنوات طويلة من الحرب، سقط الرهان على الحسم العسكري.
لا التفوق الجوي أنهى المعركة، ولا الضغوط الاقتصادية كسرت إرادة اليمن، ولا الحرب الإعلامية استطاعت إعادة تشكيل وعي الشعب.
بل أنتجت المواجهة الطويلة واقعًا جديدًا أصبحت فيه صنعاء أكثر قدرة على ربط الجبهات البرية بالمعادلة البحرية والاقتصادية.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية باب المندب؛ فهو ليس مجرد مضيق بحري، بل إحدى أهم أوراق القوة الجيوسياسية اليمنية.
ومن يقرأه بمعزل عن البحر الأحمر وهرمز وفلسطين لا يرى الصورة كاملة.
فالجغرافيا التي كانت تستخدم للضغط على اليمن يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة للدولة اليمنية وقرارها السيادي.
غزة تكشف ازدواجية المعايير
لقد كشفت غزة حجم الازدواجية في المواقف الدولية والإقليمية؛ فالصمت على قتل المدنيين وتجويعهم وحصارهم على يد الكيان الصهيوني،
ثم الاستنفار عند تعرض المصالح الاقتصادية للخطر، يعكس أزمة أخلاقية وسياسية عميقة.
والأخطر أن استمرار الحرب على اليمن يخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، المصالح الإسرائيلية؛
لأنه يبقي البحر الأحمر ساحة مفتوحة للتدخلات الأجنبية،
ويحول دون تشكل معادلة يمنية مستقلة قادرة على تقييد الحركة الإسرائيلية في هذه الجغرافيا الحساسة.
أما الحرب الإعلامية، فقد فقدت كثيرًا من قدرتها على إخافة المجتمع اليمني.
فالشعب الذي عاش سنوات القصف والحصار والزحوف العسكرية أصبح أكثر اعتمادًا على ما يراه في الميدان، وأقل قابلية للتأثر بالروايات الإعلامية المتناقضة.
أما السعودية، فإنها أمام معادلة لا يمكن تجاوزها:
لا يمكن الجمع بين الحرب على اليمن والمطالبة في الوقت نفسه بحماية المصالح والمنشآت والطرق والممرات.
الأمن لا يتجزأ، والسيادة لا تُمنح من الخارج، والسلام لا يُبنى تحت القصف والحصار.
والخلاصة أن اليمن لا يبحث عن حرب بلا نهاية، لكنه لم يعد يقبل سلامًا بلا سيادة.
فالطريق إلى باب المندب يمر عبر القرار اليمني المستقل، والطريق إلى السلام يمر عبر وقف العدوان ورفع الحصار.
وهنا تكمن الرسالة الأوضح:
من أراد أمن البحر الأحمر فعليه أن يحترم أمن اليمن، ومن أراد سلامًا مع اليمن فعليه أن يتعامل معه كشريك ذي سيادة، لا كساحة مفتوحة للنفوذ والابتزاز.
فاليمن السيادي هو الضمانة الحقيقية لعدم تحول باب المندب إلى منصة تهدد الأمن القومي العربي والإسلامي، أو ممرًا تُمرر عبره مخططات الكيان الصهيوني في المنطقة.
لقد تغيرت قواعد اللعبة؛ فلم يعد اليمن مجرد ساحة تتصارع عليها القوى، بل أصبح طرفًا يسعى إلى فرض معادلة جديدة عنوانها:
السيادة، والردع، وحماية المصالح الوطنية، ورفض الوصاية الخارجية.
ومن أراد البحر الأحمر آمنًا، فعليه أن يجعل اليمن آمنًا أولًا؛
ومن أراد تجاوز كماشة البحار، فعليه أن يفهم أن أمن هرمز وباب المندب بات جزءًا من معادلة إقليمية واحدة، وأن زمن إدارة الممرات الحيوية من خارج المنطقة لم يعد كما كان.

