نظرة ألم - النايل نيوز
الإثنين, سبتمبر 7, 2026
الرئيسيةمنوعاتنظرة ألم
منوعات

نظرة ألم

نظرة ألم

بقلم: إبراهيم الطير

 

وُلد باهي عام 1970، في زمنٍ كان يحمل بين طيّاته حربًا وقحطًا لا يرحمان. جاء إلى الدنيا في أسرةٍ فقيرةٍ مكوّنةٍ من ستة أفراد، وكان هو قبل الأخير بينهم. أبٌ يعمل شيالًا في الأسواق، وأمٌ تخدم في البيوت لتسدَّ رمق العيش، وبيتٌ من الطين لا يكاد يستر من قسوة الحياة أكثر مما يستر من برد الليل.

 

كان البيت بسيطًا إلى حدِّ الألم. سريرٌ واحدٌ قديمٌ يشبه هودج الجمال، تتقاسمه الأسرة بالنوم؛ فبعضهم ينام عليه، وبعضهم الآخر يفترش القشَّ تحت السرير. ومع ذلك، كانت الطفولة تجد لها طريقًا إلى الضحك.

 

كان باهي يلعب مع إخوته وأصدقائه لعبة “عسكر وحرامية”، وكانت أبسط الأشياء عندهم كنزًا؛ كوبًا بسيطًا يشربون منه، وقطعةَ خشبٍ يجلسون عليها. وحين يعلو في السماء صوتُ طائرات العدو، يركضون بخوفٍ طفولي إلى مخبئهم السري تحت السرير، وكأن ذلك الركن الصغير هو العالم كلُّه.

 

وعند المساء، كانت الأنوار تُطفأ، فلا يبقى إلا ضوء السهاري، علامةً على أن البيت ما زال حيًّا، وأن فيه من يتنفس ويقاوم. وكانوا يلعبون لعبة الحرب ويصرخون ببراءة: “طفي النور يا بهية… إحنا عساكر دورية.”

 

كانت البيوت في تلك الأيام تُغطَّى زجاجاتها باللون الأزرق خوفًا من عيون الطيران، وكانت الليالي ثقيلةً على الفقراء الذين لا يملكون إلا الصبر.

 

وذات يومٍ تأخر الأب في السوق، وتغيبت الأم في عملها، ولم يعودا في موعدهما. انتظر الأطفال طويلًا حتى جاعوا، فبادرت الأخت الكبرى، بخبرةٍ اكتسبتها من عملها في مصنع الحلويات، وصنعت لهم شيئًا بسيطًا من الدقيق والزيت والسكر، سُمِّي بينهم “سد الحنك”. أكلوه بصمتٍ طفولي، ثم ناموا سريعًا، وكأن الجوع أخيرًا قرر أن يرحمهم.

 

كبر باهي ودخل المرحلة الإعدادية، لكن الحياة لم تكن رحيمة. فمن أين يأتي بالقلم والكراسة، والبيت غارقٌ في مصاريف لا تنتهي؟ كانت البنات الكبار بالكاد قد أكملن المرحلة الابتدائية، وكان الأب والأم يركضان خلف لقمة العيش دون توقف.

 

فاضطر باهي إلى العمل مع دراسته. التحق بمطعم فولٍ وطعمية بأجرةٍ يوميةٍ بسيطةٍ لا تكاد تكفي. كان يعود من المدرسة إلى العمل مباشرةً، يغسل الأطباق ويخدم الزبائن، بينما كان زملاؤه يضحكون على شاطئ البحر، يلعبون الدومينو ويشربون الحليب والكاكاو.

 

ثم جاء يومٌ تغيّر فيه كلُّ شيء. طلب منه صاحب العمل أن يغسل قدرة الفول في البحر ليلًا بالسلك والصابون الأسود بعد انتهاء العمل. كان الوقت يقترب من الواحدة بعد منتصف الليل، وكان باهي يحمل القدر الثقيل نحو البحر وقلبه يرتجف من ظلام الماء، كأن شيئًا غامضًا قد يخرج منه في أي لحظة. كان يغسل، وعيناه معلقتان بالموج، ويداه ترتعشان، وخياله يرسم أشياءً مخيفةً بين الأمواج.

 

ومع الأيام، ترك هذا العمل خوفًا، وانتقل إلى عملٍ آخر رتبه له والده عند أحد معلميه في المدرسة، الذي كان يملك مطعمًا وكافيه. وهناك كان باهي يخدم زملاءه أنفسهم؛ يجلسون يضحكون ويلعبون، وهو يمر بينهم بصمت، يحمل الطلبات ويخفي انكساره في قلبه.

 

حتى جاء اليوم الذي دخل فيه والده إلى الكافيه. كان يريد الاطمئنان على ابنه، لكن الحديث لم يسر كما ينبغي. اشتكى المعلم من تقصيرٍ في التنظيف، وفجأةً، ودون تردد، رفع الأب يده وصفع باهي أمام زملائه.

 

سقط الصمت على المكان. رفع باهي عينيه، وكانت تلك اللحظة مختلفة. لم يبكِ بصوت، لكن عينيه قالتا كلَّ شيء. نظر إلى زملائه وهم يضحكون ويلعبون، ثم نظر إلى الأرض، وكأن شيئًا داخله قد انكسر بلا صوت.

 

جلس في ركنٍ بعيدٍ ساكنًا، يحاول أن يخفي دموعه، لكن وجهه كان يفضحه. كان هناك رجلٌ يجلس في المقهى شاهد المشهد، وكاد أن يندفع ليضرب الأب، ثم توقف حين علم أنه والده.

 

اقترب من باهي وسأله بهدوء:

 

“من هذا الذي ضربك؟”

 

قال باهي بصوتٍ مكسور:

 

“أبي.”

 

فربّت الرجل على رأسه بحزن، وقال:

 

“لا تحزن يا بني… يا بخت من بكّاني وأبكى الناس عليه، ولا أضحكني وأضحك الناس عليَّ.”

 

ثم انصرف.

 

أما باهي، فقام من مكانه وعاد يمسح الطاولات من جديد، وكأن شيئًا لم يحدث. لكن الحقيقة أن شيئًا بداخله لم يعد كما كان. كان يمسح الطاولات، ويمسح دموعه في الوقت نفسه، وفي عينيه بقيت تلك… نظرة ألم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *