أبطال وملائكة الرحمة.. حين تتحول الإنسانية إلى بطولة
الخميس, سبتمبر 3, 2026
الرئيسيةمقالاتأبطال وملائكة الرحمة.. حين تتحول الإنسانية إلى بطولة
مقالات

أبطال وملائكة الرحمة.. حين تتحول الإنسانية إلى بطولة

أبطال وملائكة الرحمة.. حين تتحول الإنسانية إلى بطولة

 

بقلم: نزية عتيق

 

في كل أزمة، وفي كل لحظة يظن فيها الناس أن الدنيا قد خلت من الخير، يظهرون هم.

 

لا يبحثون عن كاميرا، ولا ينتظرون تصفيقًا، ولا يقفون طويلًا أمام كلمات الإشادة. يدخلون إلى الأماكن التي يهرب منها الآخرون، ويبتسمون في وجه الخوف، ويحملون على أكتافهم أثقل ما في الحياة: أرواح البشر.

 

هؤلاء هم أبطال وملائكة الرحمة.

 

البطولة ليست دائمًا في حمل السلاح

 

البطل ليس فقط من حمل السلاح ودافع عن الوطن، فهناك أبطال يحملون أدواتهم الطبية، وقلوبهم، ومسؤولياتهم الإنسانية، ويخوضون معارك يومية من أجل إنقاذ حياة إنسان.

 

البطل الحقيقي هو من يحمل قلبًا لا يعرف اليأس.

 

هو الطبيب الذي يقضي ساعات طويلة في قسم الاستقبال، ولا تغمض عيناه قبل أن يطمئن على آخر مريض.

 

وهي الممرضة التي تمسح دمعة مريض قبل أن تعطيه الدواء، لأنها تعرف أن العلاج لا يكون بالدواء وحده، وأن كلمة طيبة ولمسة إنسانية قد تمنح المريض قوة على مواجهة الألم.

 

وهو المسعف الذي يقود سيارة الإسعاف وسط الزحام والخطر، لأن الدقيقة بالنسبة إليه قد تساوي عمرًا كاملًا.

 

وهو المتطوع الذي يوزع الماء والطعام في أوقات الكوارث، ويقدم ما يستطيع للمتضررين، دون أن ينتظر مقابلًا أو يبحث عن شهرة.

 

هؤلاء لا يرتدون عباءات خارقة، لكن أفعالهم هي الخارقة.

 

عندما تصبح الرحمة مهنة

 

كثيرون يظنون أن الرحمة مجرد إحساس يسكن القلب، لكن داخل غرف العمليات، وفي سيارات الإسعاف، وفي أقسام الطوارئ، وخيام الإغاثة، تتحول الرحمة إلى مهنة ومسؤولية وقرار يومي.

 

مهنة تحتاج إلى العلم، والصبر، وقوة الأعصاب، وقدرة استثنائية على الاستمرار، وقلب لا يتبلد مهما رأى من الألم.

 

الطبيب الذي يخبر أسرة بخبر صعب ثم يعود إلى مرضاه ليواصل عمله، والممرضة التي تكرر التعليمات نفسها للمريض العاشر بالاهتمام ذاته، ورجل الإنقاذ الذي يدخل مبنى منهارًا وهو يعلم أن النجاة ليست مضمونة…

 

كل هؤلاء يمارسون الرحمة كاختيار يومي.

 

«أنت لست وحدك»

 

في أصعب اللحظات، يصبح وجود هؤلاء رسالة في حد ذاته.

 

إنهم يأتون إلى الإنسان في أكثر لحظاته ضعفًا ليقولوا له دون كلمات:

 

«أنت لست وحدك».

 

يمسحون عن جبين الوطن عرقه، وعن عين الطفل خوفه، وعن قلب الأم فزعها.

 

ولا يسألون عن اسم أو مكانة أو ثروة؛ فميزانهم الوحيد هو:

 

«إنسان يحتاجني».

 

وهذه هي أسمى صور الإنسانية.

 

رأيناهم في الأزمات والكوارث

 

في جائحة كورونا رأيناهم في الصفوف الأولى، وفي الزلازل والكوارث رأيناهم وسط الركام، وفي الحوادث اليومية نراهم يتحركون قبل أن يفكر كثيرون في الاقتراب.

 

صامتون، متعبون، يواجهون ضغط العمل والخوف والإرهاق، لكنهم لا يتوقفون.

 

وربما لا يعرف معظم الناس أسماءهم، ولا يرون حجم ما يقدمونه خلف أبواب المستشفيات ومواقع الحوادث ومراكز الإغاثة، لكن آثار جهودهم تبقى في حياة أشخاص عادوا إلى أسرهم، وأطفال نجاوا، ومرضى وجدوا من يقف بجوارهم في أصعب لحظاتهم.

 

تكريم أبطال الرحمة مسؤولية مجتمع

 

تكريم هؤلاء لا يجب أن يقتصر على كلمة «شكرًا».

 

تكريمهم الحقيقي يبدأ بحمايتهم بالقانون، وتوفير أدوات العمل اللازمة لهم، وتحسين ظروفهم، وتقدير مهنتهم، وتعليم أبنائنا أن هذه المهن الإنسانية ليست مجرد وظائف، وإنما فخر الأمم وضمير المجتمعات.

 

كما أن الرحمة ليست مسؤولية الطبيب أو الممرض أو المسعف وحدهم.

 

يمكن لكل واحد منا أن يكون شريكًا فيها.

 

سائق يفسح الطريق لسيارة الإسعاف، ومواطن يتبرع بالدم، وجار يسأل عن جاره المريض، وشخص يساعد كبير سن على عبور الطريق، ومتطوع يمد يد العون لمن يحتاج.

 

كل هذه الأفعال الصغيرة تصنع مجتمعًا أكثر إنسانية.

 

المجتمع الذي ينسى الرحمة ينسى كيف يحيا

 

المجتمع الذي لا يحترم أبطال الرحمة، هو مجتمع ينسى كيف يحيا.

 

ففي نهاية اليوم، ستنطفئ الأضواء، وستُغلق النشرات، وسيعود معظمنا إلى بيوته، لكن هناك من سيبقى في الوردية التالية، وفي الحادث التالي، وفي غرفة الطوارئ، وفي الغرفة رقم 3.

 

سيواصلون عملهم بينما يستريح الآخرون.

 

لا يطلبون دائمًا أكثر من دعوة صادقة، ومن مجتمع يتذكرهم ويقدّر ما يقدمونه.

 

تحية إلى أبطال الإنسانية

 

تحية لكل طبيب، ولكل ممرضة، ولكل مسعف، ومتطوع، ورجل إنقاذ، ولكل إنسان اختار أن يساعد غيره في وقت كان يستطيع فيه أن يدير ظهره ويمضي.

 

أنتم لستم موظفين فقط.. أنتم أبطال وملائكة الرحمة، الذين يبقون هذا العالم إنسانًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *