محمد أمير-الجزائر
أعلنت الجزائر، الخميس، حدادا وطنيا ،لمدة ثلاثة أيام، إثر وفاة عدد من المواطنين، جراء حرائق اندلعت في ولايات، بوسط وشرق البلاد، في مأساة أعادت إلى الواجهة المخاطر المتزايدة، التي تواجهها المناطق الغابية والزراعية خلال موسم الحرائق.
وأصدر الرئيس عبد المجيد تبون قرار الحداد ابتداء من الخميس، على أن تُنكّس الأعلام الوطنية عبر كامل التراب الجزائري، مع إلغاء مظاهر الاحتفالات والمنافسات الرياضية الوطنية خلال فترة الحداد، في خطوة تعكس حجم الصدمة الرسمية والشعبية التي خلفتها الخسائر البشرية.
تبون: فاجعة تعتصر لها القلوب
وفي رسالة تعزية إلى أسر الضحايا، عبّر الرئيس تبون عن بالغ حزنه إثر فقدان مواطنين في الحرائق، وقال إن “القلب يعتصر ألما والروح حزنا” جراء الفاجعة التي ضربت عددا من الولايات الوسطى والشرقية.
وأكد الرئيس وقوف الدولة إلى جانب عائلات الضحايا في هذا الظرف، في وقت تواصل فيه أجهزة الحماية المدنية والجهات المعنية التعامل مع آثار الحرائق وتقييم الخسائر الناجمة عنها.
ويأتي قرار الحداد في سياق يتجاوز التعبير الرسمي عن الحزن، إذ يمثل رسالة تضامن وطنية مع الأسر التي فقدت أفرادا منها، في وقت تحولت فيه الحرائق من حادث موسمي متكرر إلى تهديد يمس الأرواح والممتلكات والموارد الطبيعية.
حرائق تتكرر.. وخسائر تتجاوز الأشجار
ولا تبدو حرائق الغابات في الجزائر ظاهرة طارئة، فقد شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة موجات متكررة من الحرائق، بعضها خلف خسائر بشرية ومادية كبيرة، ولا سيما في مناطق الشمال التي تجمع بين الكثافة السكانية والغطاء الغابي.
وفي يوليو/تموز الماضي، أشاد الرئيس تبون بعمل أفراد الحماية المدنية في إخماد حرائق اندلعت في مناطق مختلفة من البلاد، وهو ما يعكس استمرار الضغط الذي تفرضه الحرائق خلال موسم الصيف على أجهزة الإنقاذ والتدخل.
وتكشف هذه الوقائع أن التعامل مع الحرائق لا يقتصر على عمليات الإخماد بعد اندلاع النيران، بل يرتبط أيضا بمنظومة أوسع تشمل الوقاية، ومراقبة الغابات، وإدارة الغطاء النباتي، وتهيئة المسالك، وتوفير وسائل التدخل السريع، إلى جانب رفع جاهزية السكان والسلطات المحلية في المناطق الأكثر عرضة للخطر.
بين المناخ والعامل البشري
وتزداد قابلية الغابات المتوسطية للاشتعال خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والرياح، وهي ظروف تجعل السيطرة على الحرائق أكثر صعوبة بمجرد اندلاعها. لكن العوامل الطبيعية لا تفسر وحدها كل الحرائق،
إذ يظل العامل البشري حاضرا في جانب مهم من أسباب اندلاعها، سواء تعلق الأمر بالإهمال أو الأنشطة الزراعية أو الحرائق المتعمدة.
ومن هنا، تفرض الكارثة المتجددة سؤالا حول قدرة السياسات العامة على الانتقال من إدارة الحرائق بعد وقوعها إلى الوقاية الاستباقية منها.
فالاستثمار في طائرات الإطفاء ووسائل التدخل، على أهميته، لا يغني عن الاستثمار في مراقبة الغابات وصيانتها وتقليل المواد القابلة للاشتعال، فضلا عن تعزيز أنظمة الإنذار المبكر وربطها بسرعة التدخل الميداني.
الحداد.. رسالة تتجاوز الرمزية
يحمل الحداد الوطني الذي أعلنه تبون دلالة سياسية ومجتمعية واضحة؛ فهو يحول الفاجعة من مأساة محلية أصابت ولايات بعينها إلى قضية وطنية تتشارك البلاد كلها في الحزن عليها.
كما أن تنكيس العلم وإلغاء الاحتفالات والمنافسات الرياضية يرسخان صورة التضامن الجماعي مع أسر الضحايا، ويؤكدان أن الخسائر البشرية تفرض تعليق مظاهر الفرح العام في البلاد خلال الأيام الثلاثة المحددة للحداد.
لكن خلف الرمزية، تبرز تحديات عملية أكثر إلحاحا، تبدأ بحصر الخسائر وتعويض المتضررين، ولا تنتهي بإعادة تأهيل المناطق المتضررة وحماية السكان من تكرار الكارثة.
اختبار لمنظومة الوقاية
وتضع الحرائق الأخيرة السلطات الجزائرية أمام اختبار جديد يتعلق بفعالية منظومة الوقاية والاستجابة. فنجاح عمليات الإخماد مهم، لكنه لا يقاس فقط بعدد البؤر التي تمت السيطرة عليها، بل أيضا بقدرة المؤسسات على تقليص الخسائر البشرية والمادية قبل وصول النيران إلى التجمعات السكانية.
وفي هذا السياق، يصبح تعزيز التنسيق بين الحماية المدنية والغابات والسلطات المحلية، وتطوير المراقبة الجوية والأرضية، وتوفير معلومات دقيقة وسريعة للسكان، جزءا أساسيا من استراتيجية مواجهة الحرائق.
كما تبرز الحاجة إلى التعامل مع الغابات باعتبارها ثروة بيئية واقتصادية واجتماعية، لا مجرد مساحات ينبغي حمايتها من النيران.
فالحرائق لا تحرق الأشجار وحدها، بل تضرب التنوع البيولوجي والتربة والمياه والنشاط الزراعي، وقد تحتاج المناطق المتضررة سنوات طويلة لاستعادة توازنها البيئي.
ذاكرة الحرائق
وتعيد مأساة أغسطس/آب 2026 إلى الذاكرة الجزائرية صور حرائق السنوات الماضية، وفي مقدمتها حرائق 2021 التي خلفت عددا كبيرا من الضحايا وأثارت نقاشا واسعا حول جاهزية الدولة لمواجهة الكوارث الطبيعية والبيئية.
وفي ذلك العام أيضا أعلن الرئيس تبون حدادا وطنيا لمدة ثلاثة أيام بعد سقوط مدنيين وعسكريين جراء الحرائق.
وبين كارثة وأخرى، يتكرر السؤال ذاته: كيف يمكن تحويل الخبرة المتراكمة من الحرائق السابقة إلى إجراءات وقائية تقلل الخسائر في المستقبل؟
فالحرائق قد تكون جزءا من الدورة الطبيعية للمناخ المتوسطي، لكن حجم الخسائر البشرية والمادية ليس قدرا محتوما.
وكلما ارتفعت درجات الحرارة وطالت فترات الجفاف، ازدادت الحاجة إلى منظومة أكثر استباقية تعتمد على التنبؤ والمراقبة والتدخل المبكر، إلى جانب إشراك السكان المحليين في الوقاية.
وفي انتظار اتضاح الحصيلة النهائية للخسائر وتفاصيل أسباب اندلاع الحرائق، تبدو الجزائر أمام مأساة جديدة لا تختزل في ثلاثة أيام من الحداد. فالحداد يعبّر عن الحزن على من فقدوا حياتهم،
أما التحدي الأكبر فيتمثل في استخلاص الدروس وبناء سياسة وقائية قادرة على حماية الأرواح والغابات والممتلكات من حرائق قد تصبح أكثر تكرارا وشدة في ظل التحولات المناخية.
وهكذا، يتحول قرار الحداد الوطني من مجرد إجراء رمزي إلى لحظة للتوقف أمام كلفة الحرائق، ليس فقط بما خلفته من ضحايا، وإنما أيضا بما تطرحه من أسئلة حول الوقاية وإدارة الغابات والتكيف مع المخاطر المناخية المتصاعدة.

