ما وراء الحجر.. حين يتحدث الأثر بلسان الإنسان ويستعيد التاريخ روحه في اتحاد كتاب مصر
متابعة: محمد أكسم
أقامت لجنة الحضارة المصرية القديمة ،بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر ندوة ثقافية وفكرية متميزة، تحت عنوان “ما وراء الحجر”،
في محاولة لفتح نافذة جديدة على الحضارة المصرية القديمة، لا تتوقف عند حدود النقوش والتماثيل والمقابر، وإنما تتجاوزها إلى الإنسان الذي صنع الحضارة وعاش تفاصيلها وترك لنا شواهدها.
واستهل الكاتب والباحث عبدالله مهدي، رئيس لجنة الحضارة المصرية القديمة، فعاليات الندوة بالتأكيد على أهمية البحث عن الجانب الإنساني الكامن خلف الآثار والشخصيات التاريخية،
موضحًا أن قراءة الأثر لا ينبغي أن تظل أسيرة كونه وثيقة مادية، وإنما يجب النظر إليه باعتباره شاهدًا حيًا على أفكار الإنسان المصري القديم ومشاعره وحياته وتجاربه.
وفي هذا السياق، استعرض الكاتب والباحث محمد مندور تجربته في تبسيط علم الآثار والتراث وتقديمه للجمهور، وخاصة الشباب والأطفال، مؤكدًا أن التراث لا ينبغي أن يبقى حبيس الكتب الأكاديمية أو دوائر المتخصصين، بل يجب أن يتحول إلى حكاية يفهمها الإنسان العادي ويشعر بأنها تمسه وتخص حياته.
وتوقف مندور عند عدد من أعماله، من بينها كتاب “ديانة القاهرة”، الذي تناول فيه العمارة والفنون الدينية باعتبارها انعكاساً للإنسان ومعتقداته، وليس مجرد مبانٍ وزخارف، إلى جانب كتاب “حكاية عملات مصر والسودان في عصر أسرة محمد علي”، الذي حاول من خلاله قراءة التاريخ عبر قطعة النقود وما تحمله من دلالات سياسية واقتصادية واجتماعية.
كما انتقل إلى أدب الطفل من خلال قصة “لعبة هايك”، التي قدم من خلالها التراث في قالب مغامرة إنسانية تتيح للطفل التعرف إلى المدن والثقافات والمعالم الحضارية وقيم التسامح والتواصل.
ومن أكثر التجارب التي منحت الندوة خصوصيتها، جاءت مداخلة الكاتبة والباحثة سهيلة الرملي، صاحبة التجربة اللافتة في مشروع موسوعة “اتكلمي”، حيث قدمت رؤية مختلفة في التعامل مع التاريخ المصري القديم، تقوم على استعادة الإنسان من خلف الأسماء والألقاب والنقوش.
وقدمت الرملي نموذجاً مميزاً في المزج بين البحث العلمي والسرد الأدبي، مؤكدة أن خلف كل نقش أو تمثال أو مقبرة إنسانًا عاش، وحلم، وخاف، واختار، وصارع من أجل أهدافه.
وتتميز تجربة سهيلة الرملي بأنها لا تتعامل مع الشخصيات التاريخية بوصفها مجرد أسماء محفوظة في صفحات الكتب، وإنما تمنحها مساحة للحضور الإنساني، فتجعل القارئ أكثر قدرة على الاقتراب من التاريخ والتفاعل معه.
وفي مشروع “اتكلمي”، تبدو الرملي وكأنها تحاول أن تفتح حوارًا جديدًا مع الماضي، فتمنح الشخصيات صوتًا سرديًا معاصراً، دون أن تتخلى عن احترام الحقائق العلمية أو الخلط بين ما يثبته الدليل الأثري وما تقدمه الكتابة من معالجة إبداعية.

وهنا تكمن قيمة تجربتها؛ فهي لا تعيد كتابة التاريخ بقدر ما تعيد تقديمه للقارئ بروح إنسانية، وتثبت أن الباحث يستطيع أن يكون جسرًا بين المعرفة المتخصصة والجمهور، وأن الأدب قادر على أن يجعل الحجر يتكلم دون أن يفقد الحجر حقيقته.
وفي مداخلة تحمل الكثير من الدلالات، أكد الأستاذ الدكتور خالد سعد، أستاذ آثار ما قبل التاريخ، ضرورة استعادة الهوية المصرية من خلال صناعة الوعي لدى النشء، مشددًا على أن بناء وعي الإنسان ودعم هويته الوطنية أكثر أهمية من بناء بيت له.
وأشار إلى أن تراجع الوعي بالجذور الحضارية يمثل أحد أسباب التراجع الحضاري، مؤكدًا أن الحضارة المصرية قدمت إسهامات أصيلة في مختلف مجالات العلوم والفنون، وأن الحفاظ على هذا الإرث يبدأ من معرفة قيمته وتعليمه للأجيال الجديدة.
كما شدد على أن امتلاك الوعي بالتراث يجعل مظاهر الحياة المعاصرة أكثر ارتباطًا بالهوية المصرية، ويمنح المجتمع خصوصيته وتفرده.
التاريخ على خشبة المسرح
تحدث الكاتب والباحث عبدالله مهدي عن تجربته الإبداعية في توظيف التاريخ والتراث داخل النص المسرحي، مستعرضًا مسرحيته
“إضراب عمال الجبانات” المنشورة عام 1998، والتي استلهم فيها أجواء أواخر الأسرة العشرين، وما شهدته تلك الفترة من أزمات اقتصادية واضطرابات اجتماعية وإضرابات لعمال غرب طيبة.
وأوضح مهدي أن توظيف التاريخ في العمل المسرحي لم يكن هدفه إعادة إنتاج الماضي، وإنما استخدامه كمرآة لقراءة الحاضر وتصحيح بعض أوضاعه، عبر تكنيك فني يجعل المتلقي يشعر بقربه من المادة التاريخية، مع بقاء النص في مساحة الإبداع.
كما شهدت الندوة حواراً مفتوحاً مع الحضور، كان من أبرز لحظاته سؤال الطفل محمد محمود، تلميذ الصف الأول الابتدائي ليه المصريين بنوا الأهرامات؟، ليأتي الرد بأن الأهرامات ارتبطت بمعتقدات المصريين القدماء بالحياة الآخرة.
كما طرح الطفل محمود محمد، تلميذ الصف الثالث الابتدائي، فكرة لافتة مفادها أن التاريخ يجب أن يُحكى بالطريقة التي نحبها، وهي جملة بسيطة في كلماتها، لكنها عميقة في معناها، وتلخص جوهر الندوة؛ فالتاريخ إذا وصل إلى الطفل في صورة حكاية محببة، تحول من مادة دراسية إلى ذاكرة وهوية وانتماء.
وفي ختام الندوة، قام الكاتب والباحث عبدالله مهدي بتوزيع شهادات الشكر والمشاركة على المحاضرين، تقديرًا لمشاركتهم وإسهامهم في إثراء النقاش حول الحضارة المصرية القديمة.
وقد نجحت ندوة “ما وراء الحجر” في تقديم قراءة مختلفة للتراث، تؤكد أن الحضارة لا تسكن الأحجار وحدها، بل تسكن الإنسان أيضًا؛ وأن مهمة الباحث والكاتب ليست فقط أن يقرأ ما تركه الأجداد، وإنما أن يساعد الأجيال الجديدة على فهمه والشعور بقيمته.
وفي قلب هذه الرؤية، برزت تجربة سهيلة الرملي باعتبارها واحدة من التجارب الجديرة بالتوقف، لما تحمله من قدرة على الجمع بين صرامة البحث وجمال السرد، وبين التاريخ بوصفه علمًا، والإنسان بوصفه حكاية. فقد استطاعت أن تقترب من الشخصيات التاريخية دون أن تفقدها هيبتها، وأن تمنحها صوتًا يجعل القارئ يشعر بأن المسافة بينه وبين آلاف السنين يمكن أن تختصرها حكاية جيدة.
إنها تجربة تؤكد أن التاريخ حين يجد من يحسن روايته، لا يبقى خلف الزجاج وفي صفحات الكتب، بل يعود حياً أمامنا، يتحدث، ويسأل، ويمنح الحاضر فرصة جديدة لفهم الماضي وصناعة المستقبل.



