عندما هَرَبَتْ علاماتُ الإعراب - النايل نيوز
الثلاثاء, أغسطس 4, 2026
الرئيسيةثقافةعندما هَرَبَتْ علاماتُ الإعراب
ثقافة

عندما هَرَبَتْ علاماتُ الإعراب

عندما هَرَبَتْ علاماتُ الإعراب

الجزء الأول: الفصل الذي نسى أسماءَه

بقلم الأديب المصري

د. طارق رضوان جمعة

 

 

في صباحٍ لا أعرف من أيِّ الأزمنة تسلَّل…

 

استيقظتُ على جرسِ مدرسةٍ لم تكن على أيِّ خريطة.

 

طرقتُ بابها، فلم يُفتح…

 

لأن الأبواب هناك كانت تنتظر أن تطرق الداخل، لا الخارج.

 

وحين دخلتُ، لم أجد أطفالًا يحملون حقائبهم…

 

بل وجدت حقائب تحمل أعمار أصحابها.

 

كان الزمن يجلس فوق المقاعد، بينما الإنسان يقف في طابور الغياب.

 

وفي آخر الفصل…

 

وقفت سبورةٌ بيضاء.

 

لم تكن بيضاء لأنها جديدة…

 

بل لأن الكلمات هجرتها، بعدما اكتشفت أن البشر لم يعودوا يقرؤون المعاني، بل يستهلكون العناوين.

 

دخل مُعلِّم اللغة العربية.

 

كان شيخًا لا أعرف عمره.

 

كلُّ ما أتذكره أنه لم يحمل كتابًا…

 

بل حمل مرآةً قديمة، عليها خدوشٌ أكثر من ملامحها.

 

وضعها فوق المكتب، ثم قال:

 

“اليوم…

 

لن نُعرب الجُمَل…

 

سنُعرب الإنسان.”

 

ساد صمتٌ طويل…

 

حتى إن الطباشير رفض أن يُولد من علبته.

 

ثم كتب ببطء:

 

الأخلاق… فعلٌ ماضٍ.

 

ولم يلتفت إلينا.

 

كأنه يعلم أن أحدًا لن يعترض.

 

فالأفعال الماضية لا تُحاكم…

 

إنما يُبكى عليها.

 

ثم تمتم بصوتٍ بالكاد سمعته:

 

When virtues fade to yesterday,

The dawn forgets its golden way.

 

نظرتُ حولي…

 

فلم أرَ أحدًا استغرب أن يتحدث المعلم بلغةٍ أخرى.

 

كأن الحقيقة، مثل الشمس، لا تحتاج إلى مترجم.

 

ثم عاد إلى السبورة.

 

وكتب:

 

العنف… فعلُ أمر.

 

وفجأة…

 

سمعتُ الطاولات تنتصب كجنود.

 

والكراسي تؤدي التحية.

 

حتى النوافذ أغلقت نفسها، كأنها تخشى أن ترى الخارج.

 

قال:

 

“في الأزمنة المريضة…

 

لا يحتاج العنف إلى مبررات…

 

يكفيه أمر.”

 

ثم كتب:

 

الحرب… فعلٌ مضارع.

 

وأضاف:

 

“لأنها لم تعد حدثًا…

 

بل زمنًا يعيش في كل الأزمنة.”

 

اقترب من السبورة أكثر…

 

وأخذ يُكمل الإعراب، لا كمعلم، بل كقاضٍ يقرأ حكمًا مؤجلًا منذ قرون.

 

فالمال…

 

مفعولٌ لأجله.

 

والفساد…

 

صفةٌ لا تُفارق موصوفها.

 

ثم توقف طويلًا.

 

كأنه يبحث عن كلمةٍ ضاعت منه.

 

رفع رأسه وقال:

 

“أين الضمير؟”

 

بحثنا جميعًا…

 

تحت الطاولات…

 

بين الدفاتر…

 

داخل القواميس…

 

لكننا لم نجده.

 

ابتسم في حزن، وكتب:

 

الضمير… غائب.

 

ثم همس، لا إلينا…

 

بل إلى المرآة:

 

A silent soul, a hidden name,

The world still burns with borrowed flame.

 

لا أعرف لماذا…

 

لكن المرآة ارتجفت.

 

كأنها تذكرت وجهًا كانت تعرفه، ثم نسيته.

 

واصل الكتابة.

 

المصلحة…

 

مبتدأ.

 

والوطنية…

 

خبر.

 

والصدق…

 

منفي.

 

والكذب…

 

توكيد.

 

وقلة الأدب…

 

تمييز.

 

والانتهازية…

 

مفعولٌ مطلق.

 

والوظيفة…

 

أداة نصب.

 

والموظف…

 

حرف جرٍّ يجرُّ أيامه إلى آخر الشهر.

 

والخزينة…

 

اسمٌ مجرورٌ بالديون.

 

ثم وضع نقطةً في آخر السطر.

 

وقال:

 

“بقيت كلمة واحدة…”

 

توقف الجميع عن التنفس.

 

رفع الطباشير.

 

وكتب ببطءٍ شديد:

 

المستقبل… مبنيٌّ للمجهول.

 

لم أفهم.

 

رفعتُ يدي، وسألته:

 

“ومن الذي بنى هذا المجهول؟”

 

نظر إليَّ طويلًا…

 

ثم اقترب، حتى خُيِّل إليَّ أنني أسمع أنفاس التاريخ.

 

وقال:

 

“المجهول لا يبني نفسه…

 

هناك دائمًا فاعل…

 

لكن الناس أحبوا حذفه.”

 

ثم حمل المرآة.

 

ووضعها أمام أول تلميذ.

 

صرخ التلميذ.

 

قال:

 

“هذا ليس وجهي.”

 

ابتسم المعلم.

 

وقال:

 

“أعرف…

 

إنه وجهك… بعد أن صدقت كلَّ ما قيل لك.”

 

ثم وضعها أمام الثاني.

 

ثم الثالث.

 

حتى وصلت إليَّ.

 

نظرت…

 

فلم أرَ نفسي.

 

رأيت رجلًا يبيع ضميره بالتقسيط.

 

ورأيت شاعرًا يكتب عن الحرية، ثم يمزق قصيدته خوفًا من التصفيق الخاطئ.

 

ورأيت أبًا يُعلِّم أبناءه الصدق…

 

ثم يهمس لهم:

 

“إذا احتجتم الكذب يومًا… فليكن أنيقًا.”

 

ارتجفت يداي.

 

وأدرتُ وجهي بعيدًا.

 

لكن المرآة كانت أذكى من الهروب.

 

كانت ترى ما لا تراه العيون.

 

وما لا تكتبه الصحف.

 

وما لا تعترف به الخطب.

 

وقبل أن أغادر الفصل…

 

سمعتُ صوتًا لا أدري أكان صوت المعلم…

 

أم صوت المرآة…

 

أم صوتي أنا:

 

The mirror showed no face of mine,

Just borrowed masks in borrowed time.

 

التفتُّ…

 

فلم أجد أحدًا.

 

لكن السبورة كانت قد كتبت وحدها جملةً أخيرة:

 

“احذروا…

 

فحين تهرب علاماتُ الإعراب من اللغة…

 

تبدأ بالبحث عن وطنٍ جديد داخل الإنسان.”

 

ولأول مرة…

 

شعرتُ أن الدرس لم يبدأ بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *