على المعاش
On Retirement
بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
لم أكن نائمًا… ومع ذلك رأيت حلمًا.
حين وجدتُ نفسي أمام مدينةٍ لا يعرفها المؤرخون، ولا تجرؤ الخرائط على الاعتراف بها.
مدينةٌ لا يدخلها الأطفال…
ولا يخرج منها النسيان.
كانت الشوارع مرصوفةً بأوراق التقويم، وكلما مرَّت الريح، سمعتُ الأعوام تتكسر تحت أقدامها كما تتكسر قواقع البحر.
مدينةٌ… أشجارها لا تُثمر، بل كانت تُسقط شهادات التقدير اليابسة.
مدينةٌ… ساعاتها تشير إلى الذين توقف الناس عن الالتفات إليهم.
وفي آخر المدينة… يقف بناءٌ شاهق، لا يشبه معبدًا، ولا يشبه مقبرة.
وعلى بابه لوحةٌ من حجرٍ رمادي، نُقشت عليها كلمة فقط:
“المعاش.”
ابتسمت. وأنا اسمع صرير الباب يشبه تنهيدة التاريخ.
فدخلت. لم أرَ موظفين يحملون ملفات.
رأيتُ الزمن نفسه يجلس خلف مكتبٍ طويل، ويقلِّب سجلاتٍ ضخمة من أعمار البشر. لم تكن الأسماء مرتبةً بالحروف… بل بالوجع.
كل صفحةٍ كانت وجهًا.
وكل ختمٍ كان وداعًا.
وكان القادمون… بينهم شاعرٌ يضمُّ إلى صدره قصيدةً لم يعد أحدٌ يقرؤها.
وكان هناك معلِّمٌ ما زالت أصابعه ملطخةً بالطباشير.
وكان طبيبٌ يحتضن سماعته، فقط ليتأكد أن قلبه هو ما زال ينبض ويتذكره.
وكان ممثلٌ عجوزٌ يقف أمام مرآةٍ تعكس التصفيق الذي غادر القاعة منذ أعوام.
وفهمت صفعة الزمن…
أن هذا المكان لا يُحيل الناس إلى المعاش من وظائفهم…
بل من ذاكرة الآخرين.
They locked the doors on yesterday’s light,
Yet stars remember every night.
اقتربتُ من الرجل الجالس خلف المكتب. بوجهه المصنوعٌ من الفصول الأربعة.
وأخذ يختم القلوب واحدًا بعد آخر، لا بالحبر… بل بالصمت.
كل ختمٍ كان يقول:
“أُحيل إلى المعاش… من الذاكرة.”
ارتجفت. وسألته:
وهل الذاكرة مؤسسةٌ حكومية أيضًا؟
فقال بحزن:
“بل هي أقسى الوزارات…
لأن قراراتها لا تُطعن عليها.”
خرجتُ من عنده أجرُّ دهشتي.
فرأيتُ تماثيل كثيرة.
ليست من الرخام… بل من البشر.
وقفوا طويلًا ينتظرون كلمة:
“شكرًا.” حتى تحجر الانتظار في عروقهم.
وفهمت لأول مرة…
أن الإنسان يموت حين يتوقف اسمه عن السفر بين الشفاه.
A whispered name revives the soul,
More than crowns or bars of gold.
ومنذ تلك اللحظة…
تعلمت أن الشيخوخة ليست عددًا من السنوات… إنها المسافة بين ما قدمتَه للعالم… وما بقي للعالم من ذاكرةٍ عنك.
ثم رأيتُ شجرةً هرمة.
كانت الريح تقتلع أوراقها عامًا بعد عام، وحين جفت أغصانها…
صنعوا من خشبها مقاعد ليستريحوا عليها.
عندها فهمت…
أن بعض البشر يواصلون خدمتنا حتى بعد أن نظن أنهم انتهوا.
The oldest tree, though stripped and bare,
Still builds a home from vanished air.
ورأيتُ أبًا…
كانت يداه قد صارتا ترتجفان من تعب السنين.
فأمسك الابن يده كما كان الأب يمسك أصابعه وهو يتعلم المشي.
ابتسم الزمن… لقد استدار الطريق. فالطفولة لا تموت… إنها فقط تغيّر صاحب اليد.
وهناك أدركت أن البر ليس ردَّ جميل… بل اعترافٌ بأن الجذور لا تُكافأ لأنها تحت التراب.
إنها تُكرم لأنها ما زالت تحمل الشجرة.
ورأيتُ زوجةً تُطعم زوجها بعدما خانته أصابعه.
كانت الملعقة ترتجف… لكن عينيها لم ترتجفا.
كانت تمسح فمه كدموع طفلها. ولم يكن في وجهها شيءٌ من التضحية…
When beauty fades and voices cease,
True love begins its quiet peace.
ثم رأيتُ زوجًا…
ناول المرآة لزوجته التي سرق المرض شعرها.
فلما أخفت وجهها…
قال: “أنا لا أحب شعرك…
لقد أحببت المرأة التي كانت تُرتب العالم داخل قلبي.”
فبكت المرآة… لأنها رأت
جمالًا لا تستطيع عكسه.
ومررتُ بمعلمٍ عجوز.
يمشي في السوق.
فإذا برجلٍ وقور يترك سيارته، ويهرول نحوه.
قبّل يده أمام الناس.
في تلك اللحظة… لم يرتفع المعلم سنتيمترًا واحدًا… لكن السماء اقتربت منه كثيرًا.
وفي زاويةٍ أخرى…
كان عاملُ نظافةٍ يكنس الطريق قبل الفجر.
لم يكن أحدٌ يعرف اسمه.
لكن المدينة كلها كانت تعرف خطواته دون أن تشعر.
بعض الناس…
يشبهون الهواء.
لا ينتبه إليهم أحد…
حتى يختفوا.
The silent hands that sweep the street,
Are songs beneath our hurried feet.
ثم رأيتُ أمًّا رحلت منذ أعوام.
لكن ابنها…
ما زال كل عيدٍ يشتري قطعة الحلوى التي كانت تحبها.
لا لأنها ستأكلها…
بل لأنه لا يريد لذاكرته أن تتقاعد.
“كل شيءٍ في الكون يتقاعد… إلا الوفاء.
الشمس تتقاعد كل مساء.
والربيع يحيل أزهاره إلى الخريف.
والأجساد تستأذن الزمن في الرحيل.
لكن الوفاء…
كلما تقدم به العمر…
ازداد شبابًا.”
The flesh grows tired, the pulse grows slow,
Yet faithful hearts refuse to go.
ومنذ خرجتُ من تلك المدينة…
صرت أخاف قرارًا آخر…
لا تكتبه الحكومات…
بل تكتبه القلوب حين تنسى.
أما الوفاء فهو اللقب الوحيد…
الذي يكتبه الله في القلوب… ولا تستطيع الأيام أن تمحوه.
وفي آخر الطريق…
عدتُ إلى تلك المدينة مرةً أخرى.
لكن اللافتة تغيَّرت.
صار مكتوبًا:
“أرشيف الوفاء.”
ومن بعيد…
رأيتُ قافلةً طويلة.
لم يكونوا ملوكًا…
ولا قادةً…
ولا مشاهير.
كانوا آباءً حملوا أبناءهم.
وأمهاتٍ سهرن حتى نامت الحمى.
وزوجاتٍ أطفأن وجع المرض بابتسامة.
وأزواجًا حملوا عن شريكات العمر ثقل السنين.
ومعلمين زرعوا الحروف
وأصدقاء ظلوا أوفياء…
حتى بعدما صار الرد يأتي من شواهد القبور.
No throne survives, no coins remain,
But faithful love outlives the gain
كلهم…
كانوا يسيرون نحو نورٍ لا يشبه شمس الدنيا.
وفوقهم كانت الملائكة تكتب:
“هؤلاء… لم يُحالوا إلى المعاش.”
The body sleeps beneath the clay,
Yet faithful deeds outlive decay.
ومنذ ذلك اليوم…
لم أعد أخشى أن أتقاعد.
إنما أخاف شيئًا واحدًا…
أن أمرَّ في حياة الناس…
دون أن أترك في قلب أحدٍ سببًا واحدًا…
ليذكرني بخير.
فالوفاء…
هو الشجرة الوحيدة…
التي كلما سقطت أوراقها…
ازداد جذرها عمقًا في السماء.

