"أغنياءُ منَ التَّعَفُّف"..د. طارق رضوان جمعة - النايل نيوز
الخميس, يوليو 16, 2026
الرئيسيةمنوعات“أغنياءُ منَ التَّعَفُّف”..د. طارق رضوان جمعة
منوعات

“أغنياءُ منَ التَّعَفُّف”..د. طارق رضوان جمعة

 

“أغنياءُ منَ التَّعَفُّف”
بقلم: الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة

١
أنا الذي إنْ لاحَتِ العيونُ بي
رَأَتِ الغِنَى… كالقَصرِ في فَخامَهْ

ثِيابي نَظيفَةٌ كصَفحَةِ الماءِ
وجهيَ باسِمٌ… كالشَمسِ في قَتامَهْ
وقامتي… كالسَّيفِ في استِقامَهْ
يَخشاهُ الجوعُ ولا يَكسِرُ هامَهْ

٢
لكِنّني مَحصورٌ على دَربِ الحَياةْ
أعدُّ الجنيهاتِ في كفّيَ… كالمَسبَحَهْ
وأردُّها للجيبِ خَوفاً من قِلَّهْ
وأبتَسمُ للبائعِ: “لستُ بِمُحتاجِهْ”

قد أُحصِرَتْ أحلاميَ في صَدريَ
كعَصافيرٍ في قَفَصٍ… تَنزِفُ الجَناحَهْ
وصارَ ظَهري لِلهُمومِ لافِتَهْ
مَكتوبٌ عَليها: “مَمنوعُ الانهيارُ رَجاءً”

٣
فتَّشتُ عن وصفي في كِتابِ اللهِ
فاهتَديتُ لآيةٍ في كَلامِهْ:

“يَحسَبُهُمُ الجاهِلُ أغنياءَ”
مِن تَعَفُّفٍ… قَتَلَتني العَلامَهْ

“تَعرِفُهُم بِسيماهُم”… نَعم
سيمايَ صَمتٌ… وابتِسامَهْ
ابتِسامَةٌ كالقِناعِ على وَجهِ مَيتٍ
يَقولُ للحَياةِ: “I am fine”
وفي الدّاخلِ ألفُ سِكّينٍ
تُقطِّعُ الصَبرَ… `line by line`

٤
أنا المَلِكُ الجائِعُ داخِلَ تاجِهِ
تاجي من وَرَقٍ… والجوعُ يأكُلُهْ
وأنا القَويُّ تَخونُهُ أقدامُهْ
كجِسرٍ يَحمِلُ الدُنيا… ويَنكَسِرُ هو

أحسُدُ المَرضى على أَسِرَّتِهم
فلهُم عُذرٌ في البُكاءِ…
وأنا الذي لا يَملِكُ استِسلامَهْ
لأنَّ الرِجالَ “مش بتعيط” في بلادي

٥
“لا يَسألونَ الناسَ إلحافاً”… وَيْ
وأنا الذي يَبكي في الحَمّامِ سِرّاً
ولا استِرحامَهْ

أبلَعُ جوعيَ… كحَجرٍ في الحَلقِ
وأسُدُّ خَلَّتي… بِخيطٍ رَفيعٍ من كَرامَهْ
والهَمُّ فوقَ ظَهريَ يَلبَسُ ثَوبي
ويقولُ للناسِ: “صاحِبي مليونير”
وأنا أُصَدِّقُ كِذبَهُ… تِلكَ لي إكرامَهْ

٦
أشتاقُ للفَرَحِ الجَميلِ وأرتَعِبْ
مِن سؤالِ الجارةِ: “ابنُكَ لِمَ لَم يَتَزَوَّجْ؟”
ومِن صَحنِ الطعامِ الفارِغِ الذي
أُغطّيهِ بِمِنديلٍ… وأقولُ: “شَبِعنا… الحَمدُ للهِ”

إنْ قُلتُ “لا شَيءٍ” تَفَجَّرَ داخِلي
طوفانُ هَمٍّ… كَسَدٍّ انهارَ فجأةً
يُغرِقُ الأفهامَهْ

٧
أمشي شُروداً بينَ خَلقِ اللهِ
فيقولونَ: أصابَهُ الغُرورُ فَهامَهْ
“ده شايف نَفسه” … “ده مُتكَبِّر”

وما دَرَوا أنّي أُشَيِّعُ كُلَّ يَومٍ
حُلماً… في تابوتٍ من صَفيحٍ
وأدفِنُ في الحَشا أحلامَهْ
دَفناً بِلا جِنازَةٍ… وبِلا فاتِحَهْ

٨
وأنتَ يا مَن تَقرَأُ السَطرَ الذي
قُلْ لي: بِماذا وَصَفَتْكَ الغَمامَهْ؟
هَل أمطَرَتكَ… أم مَرَّت كـ `Instagram Story`
ورَأتها عَيناكَ… ثُمَّ اختَفَتْ؟

وماذا جَنَتْ بِكَ البِلادُ وغَدرُها؟
أبِعتَ تاجَكَ في سوقِ الـ `Deals`
أم حَفِظتَ كَرامَهْ؟

الخاتمة
وسأمضي رافِعَ الهامَةِ رُغمَ ما
بالقَلبِ مِن جُرحٍ… كسِكّينٍ في عَظامِهْ

ويقولونَ: “التَّعَفُّفُ زينَةٌ”
وأنا الذي تَعَفَّفَ حتى تَهَرَّأَ الثَّوبُ
وتَهَرَّأتْ معهُ كَرامَهْ

غَنِيٌّ عَن كُلِّ الخَلائِقِ… فَقيرٌ
إلى الذي يَعلَمُ السِّرَّ وخَفِيَّهْ

“وَمَا تُنفِقُوا مِن خَيرٍ فإنَّ”
اللهَ يَرى… يَعلَمُ… لا يَنامُهْ
ولا يَنسى دَمعَةً سَقَطَتْ…
في جَيبٍ مَثقوبٍ… اسمُهُ الكَرامَهْ



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *