محمد أكسم يكتب : حراس الذاكرة الشعبية - النايل نيوز
الأحد, يوليو 12, 2026
الرئيسيةمقالاتمحمد أكسم يكتب : حراس الذاكرة الشعبية
مقالات

محمد أكسم يكتب : حراس الذاكرة الشعبية

محمد أكسم يكتب: حراس الذاكرة الشعبية

 

في كل مدينة ذاكرة لا تسكن معالمها المتاحف فحسب، بل تعيش في تفاصيل الحياة اليومية، وفي وجوه البسطاء الذين صنعوا إيقاع الأيام,

وبينما نتأمل شوارعنا اليوم، المزدحمة بالسيارات والشاشات والإعلانات الرقمية، يراودنا شعور غامض بأن شيئًا ما قد اختفى, ليس مبنى أثرياً ولا ميداناً تاريخياً قديماً، بل بشر كانوا جزءًا من تفاصيل المشهد اليومي، ومهن كانت تمنح الحياة نكهتها خاصة.

كان الحكواتي واحداً من هؤلاء, قبل أن تحتل الشاشات أمسياتنا، وقبل أن تصبح الهواتف الذكية نافذتنا الوحيدة على العالم، كان رجل بسيط يجلس في أحد المقاهي الشعبية، يلتف حوله الرجال والصبية، ليستمعوا إلى حكايات الأبطال والعشاق والفرسان, بصوته وحده كان يصنع عوالم كاملة،

وينقل مستمعيه إلى بلاد بعيدة وأزمنة سحيقة, لم يكن يروي القصص فقط، بل كان يحفظ الذاكرة الشعبية وينقلها من جيل إلى آخر.

وفي زمن آخر، كان هناك قارئ الرسائل,هذه مهنة قد تبدو غريبة اليوم، لكنها كانت ضرورية حين كان كثيرون لا يجيدون القراءة والكتابة, يجلس الرجل في السوق أو أمام مكتب البريد، يقرأ رسائل الأبناء المسافرين، ويكتب ردود الأمهات والآباء بعبارات بسيطة وصادقة,كان شاهداً على أفراح الناس وأحزانهم، وحاملاً لأسرار لا يعرفها سواه.

أما بائع الجاز، فقد كان ضيفًا دائمًا على البيوت قبل انتشار الكهرباء. يحمل وقوده الذي يضيء المصابيح ويمنح البيوت نورها في المساء, وكان الأطفال يعرفون موعد مروره كما يعرفون موعد عودتهم من المدرسة, ومع دخول الكهرباء إلى كل بيت، رحلت المهنة بهدوء، واختفى معها مشهد كان جزءًا من الحياة المصرية لعقود طويلة.

من منا لا يتذكر بائع العرقسوس في أيام الصيف الحارة؟ بملابسه التقليدية وإنائه النحاسي اللامع، كان يبدو وكأنه خارج من صفحات حكاية قديمة. وما إن يظهر حتى يركض الأطفال نحوه، بينما يبتسم الكبار وهم يستعيدون طفولتهم في كوب بارد من العرقسوس, لم يكن الرجل يبيع مشروباً ، بل كان يوزع الفرح على المارة.

ومن منا لا يذكر بائع الترمس الذي كان يقف عند أبواب المدارس والحدائق؟ كانت رائحة الترمس الساخن تختلط بأحاديث الأصدقاء وضحكات الأطفال.

ومن المهن التي غابت أيضاً “مبيض النحاس”, كان يجلس في أحد أركان الحي محاطاً بالأواني القديمة، يعيد إليها بريقها بعد أن بهت لونها, كانت رائحة النار المختلطة بالنحاس جزءًا من ذاكرة الشوارع، وكانت النساء ينتظرن عودة أوانيهن وكأنها عادت جديدة من جديد.

اليوم اختفت تلك المهنة تقريباً، بعدما حلت محلها أدوات حديثة لا تحتاج إلى ترميم أو صيانة.

ولا يمكن أن ننسى السقاء، ذلك الرجل الذي كان يحمل قربته الجلدية ويجوب الشوارع في أيام الحر، يروي عطش المارة بكوب ماء بارد, كان حضوره علامة من علامات الرحمة والتكافل في المجتمع القديم، حين كانت الخدمة للناس جزءًا من قيم الحياة اليومية.

وفي الشوارع الرئيسية كان يقف مصور الشارع بكاميرته الكبيرة، ينتظر زبونًا يريد تخليد لحظة سعيدة, صورة تذكارية أمام حديقة أو ميدان أو مع أفراد الأسرة.

كانت الصورة حدثًا استثنائيًا، لا تُلتقط كل يوم كما يحدث الآن. وكان المصور يحتفظ بمهارة خاصة جعلته شاهدًا على آلاف الذكريات العائلية.

أما مصلح الراديو، فقد كان طبيباً للأجهزة التي جمعت الأسر حولها سنوات طويلة. كان الراديو نافذة الناس على العالم، وحين يتعطل يسارع صاحبه إلى ذلك الرجل الذي يعرف أسراره الداخلية, ومع ظهور الأجهزة الحديثة وتغير وسائل الترفيه، تراجعت المهنة حتى كادت تختفي تماماً.

وكان بائع الجرائد المتجول شخصية مألوفة في كل شارع,يحمل الصحف تحت ذراعه وينادي بأهم الأخبار, لم يكن مجرد بائع، بل كان ناقلًا للمعرفة والأحداث، يربط الناس بالعالم من حولهم, أما اليوم، فقد انتقلت الأخبار إلى الهواتف والشاشات، وغابت تلك النداءات التي كانت توقظ المدينة كل صباح.

وفي الحارات الشعبية كان يمر “سنان السكاكين” بصوته المميز، فتخرج السيدات من البيوت وهن يحملن أدوات المطبخ القديمة, لم يكن مجرد عامل يؤدي مهمة ، بل كان جزءاً من إيقاع الحياة اليومية، مثل بائع الروبابيكيا.

حتى مصلح الأحذية الذي كان يجلس على الرصيف بصندوقه الخشبي الصغير، كان يحمل فلسفة زمن كامل, زمن كانت الأشياء ترمم وتعتنى بها، فالحذاء لا يجوز الاستغناء عنه عند أول عيب, كان يجلس بصبر المبدع، يعيد الحياة إلى حذاء أنهكته الطرقات.

لم تكن هذه المهن مجرد وسائل لكسب الرزق، بل كانت جزءًا من النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمع, فكانت تمنح الشوارع بصمتها الخاصة، وتجعل الحياة أكثر دفئاً وإنسانية. ومع اختفائها فقدنا جزءًا من المشهد الإنساني الذي كان يمنح المدن دفئها وروحها,وربما لهذا السبب نشعر بالحنين كلما تذكرنا أصحاب تلك المهن, فهم لم يكونوا مجرد عابرين في الشوارع، بل شهودًا على زمن مختلف، كانت فيه العلاقات أبسط، والوجوه أكثر ألفة، والحكايات أقرب إلى القلب.

لقد تغيرت المدن، وتغيرت الحياة، واختفت مهن كثيرة تحت ضغط التطور والتكنولوجيا، لكن أثرها ما زال باقياً في الذاكرة والوجدان, تذكرنا دائماً بأن أجمل ما فقدناه لم يكن أشخاصاً أو وظائف، بل هو الإحساس الجميل بالألفة الذي كان يجعل الحياة أكثر بساطة وأكثر إنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *