التنمر على الأشخاص ذوي الإعاقة.. جريمة يعاقب عليها القانون وليست مجرد مزحة - النايل نيوز
الأحد, يوليو 12, 2026
الرئيسيةمقالاتالتنمر على الأشخاص ذوي الإعاقة.. جريمة يعاقب عليها القانون وليست مجرد مزحة
مقالات

التنمر على الأشخاص ذوي الإعاقة.. جريمة يعاقب عليها القانون وليست مجرد مزحة

” التنمر على الأشخاص ذوي الإعاقة.. جريمة يعاقب عليها القانون وليست مجرد مزحة “

✍️بقلم: إيمان الأمير

بين الضحكات التي يطلقها البعض على سبيل “المزاح”، والدموع التي يخفيها شخص ذو إعاقة بسبب كلمة جارحة أو نظرة ساخرة، تقف الحقيقة واضحة: التنمر ليس دعابة، بل سلوك مؤذٍ قد يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، وقد يصل إلى حد الجريمة التي يعاقب عليها القانون المصري.

لا يزال البعض يعتقد أن إطلاق الألقاب الساخرة، أو تقليد طريقة المشي أو الحديث، أو نشر تعليقات مهينة على مواقع التواصل الاجتماعي، مجرد تصرفات عابرة لا تستحق التوقف عندها. لكن الواقع يؤكد أن هذه الممارسات تمثل اعتداءً على كرامة الإنسان، وتؤثر في ثقته بنفسه، وتعيق اندماجه في المجتمع.

ولأن الأشخاص ذوي الإعاقة جزء أصيل من المجتمع، ويتمتعون بالحقوق نفسها التي يتمتع بها جميع المواطنين، على توفير الحماية القانونية لهم، ليس فقط في مجالات التعليم والعمل والرعاية الصحية، بل أيضًا من كل صور الإساءة والتنمر.

وجاء القانون رقم 10 لسنة 2018 بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والمعدل بالقانون رقم 11 لسنة 2021، ليؤكد هذه الحماية، حيث أضيفت المادة (50 مكررًا) التي تجرم التنمر ضد الأشخاص ذوي الإعاقة.

وتنص المادة على أن من يرتكب فعلًا من أفعال التنمر ضد شخص ذي إعاقة يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تزيد على مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

كما شدد القانون العقوبة لتصل إلى الحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات، وغرامة من مائة ألف إلى مائتي ألف جنيه، إذا ارتكبت الجريمة في ظروف مشددة، مثل أن يكون الجاني من القائمين على رعاية الشخص ذي الإعاقة، أو ممن لهم سلطة عليه، أو إذا ارتكب الفعل أكثر من شخص، مع مضاعفة العقوبة في حالة العود وفقًا لما ينص عليه القانون.

لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون هو: ما المقصود بالتنمر؟

التنمر لا يقتصر على الاعتداء الجسدي، بل يشمل كل قول أو فعل أو إشارة أو تصرف يقصد به السخرية أو الإهانة أو التخويف أو التقليل من شأن شخص بسبب إعاقته.

ومن الأمثلة التي قد تبدو للبعض بسيطة، لكنها تمثل سلوكًا مرفوضًا وقد يترتب عليها مساءلة قانونية:

– إطلاق ألقاب مهينة على شخص بسبب إعاقته.
– تقليد طريقة مشيه أو حديثه لإضحاك الآخرين.
– السخرية من استخدامه للعكاز أو الكرسي المتحرك أو أي وسيلة مساعدة.
– تصوير شخص ذي إعاقة دون موافقته ونشر الصور أو مقاطع الفيديو بقصد السخرية أو الإهانة.
– كتابة تعليقات مسيئة أو ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي تستهدف شخصًا بسبب إعاقته.
– استبعاده من الأنشطة أو التقليل من قدراته لمجرد أنه من الأشخاص ذوي الإعاقة.

ومع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت الإساءة لا تتوقف عند حدود المكان الذي وقعت فيه، بل قد تنتشر خلال دقائق لتصل إلى آلاف أو ملايين الأشخاص، وهو ما يزيد من حجم الضرر النفسي الواقع على الضحية وأسرته.

وقد يعتقد البعض أن حذف المنشور أو الفيديو بعد نشره ينهي الأمر، لكن ما يُنشر على الإنترنت قد يبقى متداولًا، كما أن المسؤولية القانونية قد تظل قائمة إذا توافرت أركان الجريمة.

ولا يقتصر أثر التنمر على الشخص الذي تعرض له، بل يمتد إلى أسرته التي تشعر بالألم والقلق، كما يؤثر في المجتمع كله، لأنه يرسخ ثقافة التمييز ويخلق حواجز تمنع الأشخاص ذوي الإعاقة من المشاركة الكاملة في الحياة العامة.

وفي المقابل، عندما يحظى الأشخاص ذوو الإعاقة بالاحترام والدعم، فإنهم يثبتون يومًا بعد يوم قدرتهم على النجاح والإبداع في مختلف المجالات، سواء في التعليم أو الرياضة أو الثقافة أو الإعلام أو سوق العمل، وهو ما يؤكد أن الإعاقة لا تمنع الإنجاز، وإنما قد تمنعه نظرة المجتمع الخاطئة.

ومن هنا، فإن مواجهة التنمر لا تكون بالعقوبات وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تربي أبناءها على احترام الاختلاف، ومن المدرسة التي تنشر ثقافة الدمج، ومن وسائل الإعلام التي تقدم صورة عادلة عن الأشخاص ذوي الإعاقة، ومن كل فرد يدرك أن الكلمة قد تكون سببًا في جرح إنسان أو دعمه.

إن احترام الأشخاص ذوي الإعاقة ليس منحة أو تفضلًا، بل هو حق أصيل تكفله القوانين والمواثيق الدولية، وتعكسه قيم المجتمع المتحضر.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل منا على نفسه قبل أن يكتب تعليقًا أو يطلق كلمة أو يشارك مقطعًا ساخرًا: هل أقبل أن يُعامل أحد أفراد أسرتي بهذه الطريقة؟

إن نشر الوعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة مسؤولية مشتركة، تبدأ بالكلمة الطيبة، وتستمر بالالتزام بالقانون، وتنتهي بمجتمع يؤمن أن الاختلاف ليس سببًا للسخرية، بل قيمة إنسانية تستحق الاحترام.

فالكرامة حق للجميع… والتنمر جريمة، وليس مجرد مزحة.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *