بقلم: أشرف بن ماضي الشعراني
(يونيو 2026)
إن معادلة الأمن القومي يمكن تلخيصها في كلمة واحدة حاسمة: الجغرافيا السياسية. فمن يعجز عن تأمين محيطه الجغرافي المباشر لا يمكنه بناء دولة مستقرة، ومن يستعدي جيرانه فإنما يستدعي الخراب بيده. فلا استقرار يتحقق، ولا تنمية تدور عجلتها، ولا إنسان يأمن على غده، طالما تحولت الحدود إلى “حزام نار” يلتهم الأخضر واليابس بدلاً من أن تكون “حزام أمان” يصون المكتسبات.
وهم القوى الخارجية وفشل المعادلات الميتة في المنطقة
اليوم، ما يزال بعض الجيران العرب يراهنون على معادلة سياسية ميتة وافتراضات أثبت الواقع عقمها؛ تقوم على فكرة: “أستعدي جاري الإقليمي، وأعتمد على قوة خارجية لحمايتي”. والنتيجة الصادمة التي تجسدت على الأرض وما زالت تتجلى بوضوح، هي أن تلك القوى الدولية لم تأتِ يوماً لحماية العواصم العربية، بل تحركت لحماية مصالحها وحليفتها الاستراتيجية الأولى فقط، تاركة الباقين في مهب التفاصيل المعقدة.
لقد كشفت الأحداث العسكرية الأخيرة زيف هذا الوهم، ورغم ذلك يبدو أن الصدمة لم تكن كافية لإحداث الإفاقة المطلوبة. واليوم، تقف المنطقة برمتها على حافة صدمة أوسع وأقسى، قد تكون هي وحدها القادرة على كسر الجمود الفكري وإعادة ترتيب الأولويات غصباً عن الجميع.
حكمة مصر 1981: درس عبقري في إدارة أمن الحدود والمحيط الجغرافي
في هذا التوقيت الحرِج، تبرز حكمة السياسة الخارجية المصرية عام 1981 كدرس استراتيجي ملهم يجب أن يُدرّس في معاهد الأمن القومي. فبعد توقيع اتفاقية السلام عام 1979، دفعت مصر ثمن قناعتها بالعزلة العربية مؤقتاً، لكن القيادة المصرية رفضت تماماً دفع الثمن الأغلى والمتمثل في معاداة الجغرافيا.
حين تولى الرئيس الأسبق حسني مبارك مقاليد الحكم، وضع على رأس أولوياته المباشرة ملفي ليبيا والسودان. وعلى الرغم من أن مصر كانت تختلف فكرياً وسياسياً بنسبة 100% مع الأنظمة الحاكمة هناك آنذاك — والتي تنوعت بين أفكار القذافي والنميري والبشير، كأنظمة قومية أو متطرفة لا تشبه مدنية مصر وفكرها المتنوع، ورغم أن الولايات المتحدة كانت تعاديهم السعي لإسقاطهم — إلا أن العقيدة المصرية ظلت راسخة وثابتة.
الخطوط الحمراء في العقيدة المصرية:
- رفض التآمر: لم تسلم مصر جاراً لها أبداً، ولم تفتح أراضيها أو تمنح أجهزتها لتكون جسراً لتهديد أمن ليبيا أو السودان.
- الفصل بين الخلاف والدولة: كان الشعار غير المكتوب: “أختلف معك، أعاتبك، أضغط عليك سياسياً.. لكن لا أكون يداً خارجية تهدد وجودك”.
- امتصاص الصدمات: نجحت مصر عبر هذا المبدأ في ضبط النفس واشتراء أمن حدودها الطويلة، وهو ذات النهج المستمر حتى اليوم؛ فعندما انهارت الدولة في ليبيا رسمت القاهرة خط (سرت – الجفرة)، وعندما اشتعلت الأزمة في السودان وقفت الدولة ضد المليشيات المسلحة (الدعم السريع). الرسالة المصرية واضحة وممتدة على مدار عقود: الجيران والحدود خط أحمر، مهما بلغ حجم الاختلاف السياسي.
سجن الطائفية والمذهب: نحو معادلة المصلحة الوطنية
في المقابل، ما يزال بعض الفاعلين في المشهد الإقليمي محشورين داخل سجن المذهب، الطائفة، التاريخ، وعقد الثقافة، مما أنتج معادلة صفرية عقيمة مفادها: “أمني مرتبط حتماً بإضعاف جاري”. هذه الرؤية الضيقة لا تنتج سوى سباق تسلح، ترقب دائم، وموازنات ضخمة تنفجر في وجه الشعوب، دون أن تبني مدرسة، أو تشيد مصنعاً، أو تؤمّن بحراً للملاحة والتجارة.
لقد قدمت مصر الصيغة البديلة والواضحة: افصل تماماً بين قناعتك الفكرية الذاتية وقرار الدولة السيادي. فالقناعات العقائدية مكانها الغرف المغلقة، أما قرارك لشعب كامل فيجب أن يقوده محرك واحد وهو المصلحة الوطنية العليا. ولو كانت مصلحة الشعوب واستقرارها هي المحرك الفعلي، لكانت الأولوية القصوى هي احتواء وتأمين المحيط الإقليمي المشترك: (إيران، العراق، اليمن.. الجوار أولاً).
خلاصة الروشتة الاستراتيجية: طريقان لا ثالث لهما
إن دول المنطقة تقف اليوم أمام خيارين حاسمين:
-
- إما قرار سيادي شجاع: يعتمد الحكمة والمكاشفة ويؤمّن المحيط الإقليمي قبل الانفجار الكبير، على خطى المقاربة المصرية التاريخية.
- وإما دمار شامل: تفرضه صدمة كبرى قادمة تكسر الأوهام وتفرض واقعاً جديداً بقوة السلاح والاضطراب.
القاعدة الذهبية التي يجب أن يعيها الجميع: الأنظمة السياسية تتغير، المذاهب والأفكار تخضع للنقاش والجدل، لكن الجغرافيا ثابتة لا تتغير والحدود باقية. فإما اختيار الأمن والعمران عبر نافذة الحكمة، أو انتظار الصدمة التي ستفرض عليك ما رفضت صناعته بقرارك.

