الرئيسيةمقالاتالشيخ شبلي النعماني: رائد النهضة الفكرية في شبه القارة الهندية
مقالات

الشيخ شبلي النعماني: رائد النهضة الفكرية في شبه القارة الهندية

الشيخ شبلي النعماني: رائد النهضة الفكرية في شبه القارة الهندية

بقلم: أحمد شوقي عفيفي

داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي

ملامح الشخصية والمكانة العلمية:

في سجل النهضة الإسلامية والفكرية في شبه القارة الهندية، يبرز اسم الشيخ شبليالنعماني بوصفه واحدا من أولئك الرجال الذين اجتمعت فيهم خصال العالم والأديب والمفكر والمصلح، فامتزج في شخصيته عمق المعرفة بسعة الأفق، والأصالة بروح التجديد حتى غدا علما من أعلام الفكر الإسلامي الحديث في الهند.

كان عالما إسلاميا موسوعي الثقافة، وشاعرا مرهف الحس، وفيلسوفا متأملا، ومؤرخا بارعا، ومفكرا تربويا ذا رؤية بعيدة، وخطيبا مؤثرا وكاتبا مبدعا كما عرف بمواقفه النقدية الرصينة تجاه أطروحات المستشرقين في زمن الاستعمار البريطاني للهند. وقد بلغ من تميزه في مجال التاريخ أن عد من كبار رواد الكتابة التاريخية بالأردية حتى استحق أن يعرف بلقب أبي التاريخ الأردي. وكان إلى جانب ذلك متقنا للعربية والفارسية، فنهل من معينهما واستثمر ثراءهما في مشروعه الفكري والأدبي. ارتبط الشيخ شبلي بحركتين كان لهما أثر بالغ في تشكيل الوعي الإسلامي في عصره، وهما حركة عليكره وحركة الندوة، وقد جمع في رؤيته بين الوفاء للتراث والانفتاح على العصر. ومع انتمائه الفكري إلى المدرسة الديوبندية، كان يرى أن نهضة الأمة لا تقوم إلا بجمع أصالة العلوم الشرعية إلى معارف العصر الحديثة، فدعا إلى إدماج اللغة الإنجليزية والعلوم الأوروبية في النظام التعليمي إيمانا منه بأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.

ولم يكن التاريخ عنده صفحات جامدة تقرأ، بل كان مدرسة للأمم، ومرآة تستعيد فيها الشعوب ملامح مجدها وسبل نهوضها، لذلك أفنى جانبا كبيرا من عمره في كتابة سير أعلام الإسلام وأبطاله، معتقدا أن استحضار النماذج العظيمة من الماضي قادر على بعث روح العزة وتجديد الوعي في حاضر المسلمين. وكان من أبرز آثاره تأسيس أكاديمية شبلي لدار المصنفين عام 1914 لتكون صرحا علميا يعنى بالتأليف والبحث وخدمة الفكر الإسلامي كما أنشأ كلية شبلي الوطنية سنة 1883 إيمانا منه بأن بناء الإنسان يسبق بناء الحضارات.

كما حمل هم السيرة النبوية، فجمع مادة علمية واسعة عن حياة النبي محمد ﷺ، وشرع في مشروعه الكبير سيرة النبي

ﷺ، فأنجز جزأيه الأولين قبل أن يختطفه الموت دون إتمام ما بدأه. غير أن رسالته لم تنقطع، إذ واصل تلميذه النجيب الشيخ سليمان الندوي الطريق، فأتم ما تركه أستاذه لتبقى تلك السيرة شاهدا على مشروع علمي نهض على الإخلاص والبصيرة وامتداد الرسالة عبر الأجيال.

في رحاب الطفولة والنشأة:

في فجر الرابع من يونيو سنة 1857، ولد الشيخ شبلي النعماني في قرية بندوال القريبة من مدينة أعظم كره في بيت مسلم ذي جذور راجبوتية عريقة، إذ كان أحد أجداده شيراج سينغ من قبيلة بايس التي دخلت الإسلام قبل أجيال متعاقبة. نشأ في كنف والده حبيب الله ووالدته مقيمة خاتون، وسمي تيمنا بالعارف الصوفي أبي بكر الشبلي صاحب الإمام الجنيد البغدادي، ثم أضاف لاحقا إلى اسمه لقب النعماني الذي عرف به في الأوساط العلمية والأدبية.

ولم يكن الشيخ شبلي في نشأته كإخوته الذين شدوا الرحال إلى لندن طلبا للعلوم الحديثة ثم عادوا إلى الهند يحملون شهاداتها ومناصبها، بل سلك طريقا مختلفا، فنهل من ينابيع التعليم الإسلامي التقليدي، وتربى في أحضان العلوم العربية والشرعية، وكان من أبرز من تتلمذ على أيديهم العالم العقلاني محمد فاروق شيراياكوتي، الذي ترك أثرا في تكوينه الفكري ومنهجه العلمي.

الشيخ شبلي في رحاب عليكره:

ومنذ وقت مبكر، وجد نفسه مشدودا إلى مشروع عليكره ومنفرا منه في آن واحد، فقد رأى فيه أفقا جديدا للإصلاح والتجديد غير أنه لم يجد في بيئته الفكرية ما يشبع طموحه العلمي والروحي. وعلى الرغم من عمله مدرسا للغتين العربية والفارسية فيها، ظل يشعر بغربة فكرية متزايدة حتى غادرها نفسيا وفكريا قبل أن يغادرها رسميا، ولم يقدم استقالته النهائية إلا بعد وفاة مؤسسها الأستاذ سيد أحمد خان سنة 1898. وأمضى ستة عشر عاما في رحاب عليكره، كانت مرحلة خصبة من حياته الفكرية، ففيها تعرف إلى توماس أرنولد وعدد من المفكرين والعلماء البريطانيين، ودارت بينهم نقاشات واسعة حول الفكر الغربي الحديث وتحولاته. وفي عام 1892 رافق أرنولد في رحلة علمية إلى الدولة العثمانية، زار خلالها سوريا وتركيا ومصر، فعاين أحوال تلك البلاد عن قرب، ووقف على تجاربها الحضارية والفكرية. وفي إسطنبول حظي بتكريم من السلطان عبد الحميد، بينما جمعته القاهرة بلقاء العالم والمصلح الكبير الشيخ محمد عبده الذي كان آنذاك أحد أبرز وجوه النهضة الإسلامية.

من حيدر آباد إلى ندوة العلماء:

وبعد وفاة الشيخ السيد أحمد خان طوى شبلي صفحة عليكره وانتقل إلى حيدر آباد حيث تولى منصب المستشار في دائرة التعليم، وهناك انطلقت روحه الإصلاحية في ميدان التربية والتطوير، فأحدث سلسلة من الإصلاحات المهمة في النظام التعليمي. ومن أبرز بصماته أنه مهد الطريق لاعتماد اللغة الأردية لغة للتعليم في جامعة عثمانية في خطوة كانت سابقة فريدة في تاريخ الجامعات الهندية.

ثم انتقل سنة 1905 إلى لكناؤ حيث تولى رئاسة دار العلوم لندوة العلماء، فشرع في تطوير المناهج وإعادة صياغة الرؤية التعليمية للمؤسسة. غير أن النزعة الإصلاحية التي حملها اصطدمت بتيارات محافظة رأت في مشروعه خروجا على المألوف، فاشتدت المعارضة ضده حتى اضطر سنة 1913 إلى مغادرة لكناؤ والعودة إلى جوار مسقط رأسه. وكان من أعظم الأحلام التي حملها في قلبه مشروع إنشاء دار المصنفين لتكون بيتا للعلم والفكر والقلم، يجتمع فيه الباحثون والمؤلفون لخدمة الإسلام والثقافة الإسلامية. حاول أن يرى حلمه قائما في حياته، لكنه لم يتمكن من تحقيقه، فأوقف داره وبستانه، وحث أقاربه وأتباعه على دعم الفكرة، وكتب إلى تلامذته وخواصه يدعوهم إلى حمل الرسالة من بعده. ولم يخب رجاؤه، فبعد رحيله نهض تلميذه الوفي الشيخ سليمان الندوي لتحقيق وصيته، فأسس أكاديمية شبلي لدار المصنفين في أعظم كره، وعقد أول اجتماع رسمي للمؤسسة بعد ثلاثة أيام فقط من وفاة أستاذه، وكأن الفكرة أبت إلا أن تولد مع لحظة الغياب.

كان كل من الشيخ شبلي النعماني والشيخ سيد أحمد يحمل هم نهضة المسلمين ويتطلع إلى مستقبل أكثر إشراقا لأبناء الأمة، وقد اشتركا في الرغبة في الإفادة من الفكر الغربي وأساليبه الحديثة بما يخدم مصالح المسلمين ويعينهم على النهوض. غير أن وجهة كل منهما اختلفت في الوسيلة والغاية، إذ رأى الشيخ سيد أحمد أن الأولوية تكمن في حماية المسلمين من نقمة السلطة البريطانية عقب مشاركتهم الفاعلة في ثورة عام 1857م، التي وسمها البريطانيون بتمرد السيبوي، بينما اتجه الشيخ شبلي إلى مشروع آخر يقوم على بعث روح الاعتماد على النفس واستعادة عزة المسلمين وكرامتهم من خلال إحياء تراثهم الحضاري واسترجاع ميراثهم الفكري وتقاليدهم الأصيلة.

ويرى بعض الباحثين أن الشيخ شبلي النعماني وقف موقفا معارضا لحركة عليكره، إذ لم يكن منسجما مع رؤى الشيخ سيد أحمد وتوجهاته الفكرية، وقيل إن هذا الخلاف كان سببا في إبعاده عن العمل في الكلية المحمدية الأنجلو-الشرقية. وقد ذهب الروائي الهندي كامليشوار في روايته كم من باكستان إلى تصوير الشيخ شبلي بوصفه عالما مسلما محدود الأفق ومتصلب الرؤية. كما أشار كتاب أتاتورك في كربلاء إلى أن الشيخ شبلي لم يكن راضيا عن سياسات الشيخ سيد أحمد وأفكاره، بل كان من أشد المناهضين لحركة عليكره وأكثرهم معارضة لها.

إحياء التراث واستعادة الحضور الفكري:

يأتي مشروع الشيخ شبلي، الذي يتبناه قسم اللغة العربية في جامعة ملية الإسلامية بوصفه مبادرة علمية وثقافية ترمي إلى صون الإرث الفكري والعلمي للإمام شبلي النعماني وإحياء حضوره في الوعي المعاصر مع العمل على إيصال آثاره ومؤلفاته إلى آفاق أرحب وشرائح أوسع من القراء والباحثين. وفي إطار هذا المشروع، يدعى الطلاب إلى التعمق في دراسة حياة الشيخ شبلي واستجلاء معالم شخصيته ومسيرته الفكرية كما يكلفون بكتابة مقالات تتناول الأبعاد المتعددة لحياته، وإعداد قراءات نقدية ومراجعات علمية لنتاجه الفكري والأدبي.

ولا يقف المشروع عند حدود الدراسة النظرية، بل يمتد إلى تشجيع الطلاب على إنجاز أعمال ومشروعات تجسد مسيرة شبلي وإسهاماته، وإعداد لوحات ومخططات توثيقية تسلط الضوء على محطات حياته ومنجزاته الفكرية. كما يسعى المشروع إلى بناء جسور من التكامل المعرفي بين حقول اللغة الأردية والدراسات الإسلامية والتاريخ إيمانا بأن شخصية شبلي تمثل نقطة التقاء خصبة بين هذه التخصصات المتعددة.

وفي هذا السياق، يحث الطلاب على التعمق في دراسة شعر شبلي وأدبه، وتنظيم رحلات علمية إلى دار المصنفين في أعظم كره وإلى لكهنؤ سعيا للالتقاء بتلامذته والمهتمين بتراثه، واستلهام مزيد من الرؤى والمعارف حول حياته وآثاره.

ومن أبرز معالم المشروع إقامة معرض خاص بحياة شبلي وإسهاماته، يجسد مختلف وجوه شخصيته ونتاجه الفكري، حيث يعرض جوانب من مكانته العلمية، وموهبته الشعرية، ونشاطه الإصلاحي والفكري. كما يفتح المعرض أمام زواره نافذة فريدة يطلون منها على الأجواء الثقافية والفكرية التي سادت الهند في بدايات القرن العشرين بما حفلت به من حراك معرفي وتفاعل حضاري أثمر نهضة فكرية تركت آثارها العميقة في تاريخ المنطقة.

أعمال الشيخ شبلي النعماني:

خلف الشيخ شبلي النعماني تراثا علميا وفكريا زاخرا يشهد بسعة معارفه وخصوبة عطائه واتساع آفاقه الثقافية. فقد لم يكن صاحب اهتمام أحادي الاتجاه، بل كان عقلا موسوعيا طاف في ميادين متعددة، فكتب في السيرة والتاريخ والفكر الإسلامي والأدب وعلم الكلام وأدب الرحلات، وجعل من قلمه أداة لإحياء الوعي الإسلامي وبعث روح النهضة في الأمة. وكانت مؤلفاته انعكاسا مباشرا لمشروعه الإصلاحي الذي أراد من خلاله أن يعيد المسلمين إلى منابع تراثهم الأصيل مع توجيههم إلى الإفادة من معطيات العصر الحديث دون الذوبان في تياراته. ومن أظهر آثاره العلمية كتاب سيرة النبي الذي شرع في تأليفه ليكون عملا رائدا في السيرة النبوية غير أن الأجل لم يمهله لإتمامه، فانتقل عبء إكماله إلى تلميذه الوفي الشيخ سليمان الندوي الذي أتمه بعد وفاة أستاذه ليغدو لاحقا واحدا من أبرز مؤلفات السيرة في العصر الحديث. كما ألف الفاروق في سيرة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسيرة النعمان، والمأمون، والغزالي، والإمام ابن تيمية، وهي أعمال تكشف عن شغفه بتراجم الأعلام واستحضار النماذج الحضارية المؤثرة في التاريخ الإسلامي.

وفي الجانب الأدبي والفكري، برز كتاب شعر العجم بوصفه عملا رائدا في دراسة تاريخ الشعر الفارسي ونقده كما ألف علم الكلام والكلام، اللذين تناولا تاريخ الفكر الكلامي الإسلامي وقضاياه الكبرى. ولم تغب عن اهتمامه الشخصيات الروحية والأدبية، فكتب سوانح مولانا رومي متتبعا سيرة جلال الدين الرومي كما دون مشاهداته وتأملاته في رحلته العلمية في

مذكرات سفره روم ومصر والشام فضلا عن مؤلفه بحث في تدمير مكتبة الإسكندرية القديمة.

وهكذا تبدو مؤلفات الشيخ شبلي النعماني صفحات ناطقة بسعة فكره وعمق رؤيته، إذ لم تكن مجرد كتب تؤرخ للأحداث أو تترجم للأعلام، بل كانت مشروعا فكريا متكاملا يسعى إلى وصل الماضي بالحاضر، واستنهاض الأمة من خلال العلم والفكر والوعي الحضاري.

وفي أغسطس سنة 1914، غادر الشيخ شبلي إلى إلهآباد إثر مرض شقيقه الأكبر، لكن الموت كان أسرع، فرحل أخوه بعد أسبوعين. عاد بعدها إلى أعظم كره مثقلا بالحزن، وهناك وضع التصور الأخير لمشروع دار المصنفين قبل أن يطوي القدر صفحة حياته في الثامن عشر من نوفمبر سنة 1914 بعد رحلة حافلة بالعلم والإصلاح والفكر تاركا وراءه أثرا لم تستهلكه الأيام، ورسالة تجاوزت حدود الزمان والمكان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *