كيف اصبحت الحياه،، في عالمٍ باتت فيه الشاشة الصغيرة نافذتنا الكبرى،
نجلس نحدّق طويلاً… نراقب، نحلّل، وننتظر. ننتظر نهاية حرب لا نعرف متى بدأت داخلنا قبل أن نراها على الحدود، ونترقّب مشاهد تتكرر حتى فقدت دهشتها، لكنها لم تفقد قسوتها.
ننتقل بين خبرٍ عن حربٍ لا تهدأ، ومشهدٍ مؤلم لإنسانة دفعتها الحياة إلى حافة اليأس، فنتمتم بالدعاء: ربنا يرحمها ويغفر لها… ثم نكمل المشاهدة. كأن الحزن أصبح فقرة عادية في جدول يومنا، وكأن الألم صار محتوى يُستهلك لا مأساة تُعاش.
نضغط زرًا آخر، فنجد أنفسنا أمام مباراة، صراخ، جدل، حكمٌ يتعرض للهجوم، وآراء لا تنتهي حول ضربة جزاء احتُسبت أو لم تُحتسب. نغضب، ننفعل، نختلف… وكأن مصيرنا معلّق على صافرة. في لحظة، تختلط علينا الأمور؛ هل ما نراه رياضة بروحها الجميلة، أم انعكاس لفوضى أكبر تسكن داخلنا؟
ثم نعود للشاشات… قنوات، تحليلات، آراء متضاربة، كلٌ يدّعي الحقيقة، وكلٌ يملك روايته الخاصة. وبين هذا الضجيج، تضيع الحقيقة، ويضيع الإنسان.
ما هذا العبث الذي نحياه؟
كيف أصبحت الحياة بهذا الثقل، وهذا التسارع الذي لا يمنحنا فرصة للفهم أو حتى للشعور الحقيقي؟
ربما المشكلة ليست في الشاشات، بل فينا نحن… في قلوبٍ اعتادت المشهد حتى قست، وفي عقولٍ أنهكها التلقي دون تفكير. صرنا نشاهد أكثر مما نعيش، ونحلل أكثر مما نشعر، وننتظر أكثر مما نتحرك.
لكن رغم كل هذا، يبقى الأمل قائمًا… أن نغلق هذه الشاشة يومًا، لا هروبًا من الواقع، بل عودةً إليه. أن نستعيد إنسانيتنا، ونفرّق بين ما يستحق الغضب، وما يستحق الرحمة، وما يستحق أن نقف عنده صامتين.
لعل النهاية التي ننتظرها ليست نهاية حربٍ هناك، بل نهاية هذا التبلّد هنا… داخلنا نحن.

