الرئيسيةمقالاتحين يضيق الأفق… يولد الفرج بقلم: المستشار محمود السنكري
مقالات

حين يضيق الأفق… يولد الفرج بقلم: المستشار محمود السنكري

حين يضيق الأفق… يولد الفرج بقلم: المستشار محمود السنكري

حين يضيق الأفق… يولد الفرج

بقلم: المستشار محمود السنكري

حين يضيق الأفق لا يضيق الكون… بل تضيق رؤيتنا له.

وحين تتكاثف الغيوم في سماء القلب لا يعني ذلك أن الشمس قد غابت بل يعني فقط أنها تختبر صبرنا خلف الحجب.

في لحظات الانكسار حين تتشابك الطرق وتتعثر الخطى يشعر الإنسان كأنه يسير في نفق بلا نهاية وأن الحياة قد أغلقت أبوابها في وجهه. لكن الحقيقة الأعمق التي لا يدركها إلا من تأمل جيدًا أن الضيق ليس نهاية الطريق… بل بدايته الخفية.

ألم يقل الله تعالى:

“فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”

تكرار يحمل يقينًا لا احتمالًا… وعدٌ لا يتخلف وسنة لا تتبدل.

الضيق ليس عقوبة دائمًا بل قد يكون تهيئة والانكسار ليس ضعفًا بل إعادة تشكيل ، وما نظنه نهاية قد يكون في الحقيقة بداية أخرى أكثر عمقًا وأكثر صدقًا.

إن الإنسان حين يُحاصر يُجبر على أن يرى ما لم يكن يراه وأن يسمع صوته الداخلي الذي طالما تجاهله. هناك في قلب الأزمة يولد الوعي… وفي رحم الألم تنضج الحكمة.

تأمل كيف يولد الفجر…

لا يأتي إلا بعد أشد ساعات الليل ظلمة.

وكذلك الفرج لا يولد إلا حين يبلغ الضيق مداه وكأن الكون كله يقول لك: الآن… حان الانفراج.

قال تعالى:

“أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ”

هنا في لحظة الاضطرار حين تسقط كل الحيل وتنهار كل الأقنعة ويتجرد القلب من كل شيء إلا الرجاء… تأتي الإجابة.

ليس الفرج صدفة…

بل هو ثمرة صبر وصدق توجه ويقين لا يتزعزع.

كم من إنسان ظن أن حياته انتهت فإذا بها تبدأ من جديد ، وكم من باب أُغلق بقسوة ليُفتح باب آخر برحمة ، وكم من خيبة كانت في ظاهرها ألمًا وفي باطنها نجاة.

إن أعظم ما في الضيق أنه يُعيد ترتيب الإنسان من الداخل فينقيه من الزيف ويحرره من التعلق ويقوده رغمًا عنه إلى الله.

قال سبحانه:

“وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ”

ليس مجرد مخرج… بل مخرج لم يكن في الحسبان ولا في الخيال.

حين يضيق الأفق لا تستسلم للعتمة…بل وسّع داخلك وامنح روحك مساحة للثقة.

تذكر أن ما تمر به ليس عبثًا وأن كل لحظة ألم تُكتب في سجل الحكمة القادمة.

فاصبر… لا كمن ينتظر النهاية بل كمن يثق بالبداية.

وتيقن أن الفرج لا يأتي متأخرًا… بل يأتي في الوقت الذي يصنعك فيه.

وحين يأتي…

ستدرك أن كل ما مررت به لم يكن إلا تمهيدًا لرحمة كانت في طريقها إليك.

إن الأفكار التي تأتي في وقت البلاء طبيعية ولا يجب أن تتحول إلى يقين بالهزيمة فاليأس شعور عابر والأمل هو الأساس. والفرق بين من ينهار ومن يصمد ليس في حجم المشكلة بل في طريقة النظر إليها.

حين نحسن الظن بالله ونتوكل عليه يتغير معنى الألم. فلا يصبح مجرد معاناة بل يتحول إلى درس وعبرة وربما إلى باب للخير لم نكن نتوقعه ، فكم من ضيق حمل في طياته فرجًا كبيرًا وكم من ألم كان بداية لقوة وصبر أعظم.

تذكر أن الحياة تعلمنا في كل تجربة درسًا ثمينًا وأن كل ألم يحمل فرصة للنمو وكل سقوط فرصة للنهوض وكل لحظة ضعف تكشف لنا قوة جديدة في داخلنا.

الله يعلم ما كان وما سيكون وما لو كان كيف يكون ، ونحن نرى اللحظة فقط ،

الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من زوال البلاء بل من الثقة أن خلفه حكمة ورحمة وأن لطف الله أعظم مما نتصور.

فلا تجعل ضيق اليوم يحكم على اتساع الغد ولا تجعل الألم نهاية الحكاية، 

تمهل واهدأ وتوكل وأحسن الظن بالله فربما يكون ما تخشاه اليوم سبب نجاتك وما يؤلمك سبب قوتك غدًا.

تذكّر دائمًا: في كل محنة منحة وبعد كل ضيق فرج والفرج يأتي دائمًا حين يظن القلب أن كل شيء انتهى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *