بين هرمز وهانتا : برود مفاوضات الجائحة ولهيب مضيق هرمز الذي يكوي شرايين النفط.. من يضبط عقارب ساعة الذعر؟
من قاعات مفاوضات “معاهدة الجائحة” إلى مياه مضيق هرمز الهائجة، يبدو العالم وكأنه يقف على حافة جائحة جديدة وحرب اقتصادية في آن واحد. لكن هل هذه الأحداث منفصلة؟ أم أننا أمام سيناريو واحد معقد؟
بقلم نوال عباسي_تونس
منتدى سيف القدس
قبل أيام قليلة، كان العالم منهمكاً في متابعة سفينة سياحية هولندية راسية قبالة سواحل أفريقيا، يُشتبه في وجود “فيروس هانتا القاتل” على متنها. ثلاث وفيات، وعناوين رئيسية مرعبة، ومسؤولون يلهثون لاحتواء “الذعر الصحي العالمي”. وبعد ساعات، بدأ الحديث عن فيروس جديد قد يخطف الأضواء من كوفيد-19. غير أن خلف هذه الكواليس المزدحمة بالكاميرات والتصريحات المذعورة، كان هناك مشهد آخر أكثر هدوءاً ولكنه أخطر. قبل خمسة أيام فقط من هذه الحادثة، فشلت الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية مجدداً في التوصل إلى اتفاق بشأن “معاهدة الجائحة”، وتحديداً بشأن “آلية الوصول إلى مسببات الأمراض وتقاسم المنافع” (PABS). انتهت الجولة بدون حل، وغادر المدير العام تيدروس أدهانوم غيبريسوس قاعة المفاوضات محذراً: الجائحة القادمة “ليست مسألة ’إذا‘، بل ’متى‘”. لم يمضِ أسبوع حتى خرجت سفينة “هونديوس” إلى دائرة الضوء، كأنما جاء الفيروس ليقول للمفاوضين: “ها أنا ذا، ألم أقل لكم؟”.
فهل هذا الفيروس كائن حيّ داهمنا صدفة، أم أنّه شخصيةٌ دخلت على مسرح الأحداث بدورٍ مكتوبٍ سلفاً، في وقت ضبطت فيه ساعة الذعر على توقيت مفاوضات متعثرة في جينيف وفي اسلام آباد؟ فعند التدقيق في تفاصيل تفشي فيروس هانتا المزعوم، تتبخر الأدلة الملموسة سريعاً، كالسراب الذي يلمع في الصحراء ثم يخيب ظمأ القادم. لم تعثر فرق التفتيش على أي قوارض ميتة أو فضلات ملوثة داخل السفينة. كما أقرت منظمة الصحة العالمية نفسها بعدم وجود دليل على انتقال العدوى من إنسان لآخر. ومع ذلك، سارعت وسائل الإعلام الغربية إلى تصدر عناوينها بـ”فيروس جرذان مميت” و”حالة ذعر عالمية”، وكأن للذعر ذاته دواء يباع في الصيدليات. فقد وصفت صحيفة “ذا صن” البريطانية الفيروس بأنه “قاتل آت من الفئران”، وتحدثت هيئة الإذاعة الكندية (CBC) عن “تفشٍ مميت”، لكن كل هذه العناوين لم تستند إلى أي دليل مادي ملموس. والأكثر إثارة للقلق أن التشخيص اعتمد بالكامل على اختبار RT-PCR، وهو الاختبار نفسه الذي أصدرت منظمة الصحة العالمية نشرية في يناير 2021 تشكك في دقته، والذي سحبت مراكز السيطرة على الأمراض الأمريكية اعتمادها له نهائياً في نهاية 2021. والغريب أن نفس الاختبار يعاد استخدامه الآن لتأكيد حالات “هانتا”. إنها مفارقة صامتة: أداة قيل إنها لا تصلح لقياس شيء، تعاد معايرتها فجأة لتزن فيروساً جديداً في الميزان ذاته. وهنا نتوقف لحظة ونسأل: لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الزخم الإعلامي؟
الجواب يبدأ من نقطة PABS، تلك الآلية التي طالما مثلت الأربطة الخفية بين الشمال والجنوب. عقد اجتماعي بين الدول الغربية ودول جنوب العالم، لكنه عقد لم تكتمل صياغته بعد. فمن جهة، تريد الدول المهيمنة وشركات الأدوية الكبرى الوصول الحر والسريع وغير المقيد إلى أي عينات من مسببات الأمراض الجديدة وبياناتها الجينية من أي مكان في العالم، ذلك “الذهب الأبيض” لأبحاث اللقاحات والأدوية، وهو كنز لا يقدر بثمن. ومن جهة أخرى، تطالب دول جنوب العالم بضمانات ملزمة بأنها ستحصل على حصة عادلة من اللقاحات والعلاجات الناتجة عن هذه العينات، وبأسعار معقولة، حيث اقترحت تخصيص 20% من الإنتاج الفوري لمنظمة الصحة العالمية، نصفها تبرعاً والنصف الآخر بأسعار مخفضة. غير أن شركات الأدوية الكبرى، وممثلها الاتحاد الدولي لجمعيات مصنعي الأدوية، تصِر على أن تكون هذه الالتزامات طوعية، وترفض أي رسوم أو ضرائب مالية مقابل الوصول إلى مسببات الأمراض. إنهم يريدون البيضة الذهبية التي يضعها الدجاج دون أن يدفعوا ثمن العلف. وهنا يأتي دور سفينة هونديوس وفيروس هانتا كورقة ضغط مثالية في توقيت حرج، فالترويع بفيروس نادر ومميت يخلق شعوراً بالحاجة الملحة لاستكمال المعاهدة بسرعة، قبل أن نتمكن من مناقشة التفاصيل. إنها “حالة طوارئ” مفتعلة تُستخدم لكسر الجمود لصالح الطرف الأقوى، كمن يطلق صافرة الإنذار في ليلة هادئة ليفرض سيطرته على الموقف.
وإذا كان الحديث عن الأوبئة يقودنا إلى المراكز العسكرية، فإن معهد أبحاث الطب الحيوي التابع للجيش الأمريكي (USAMRIID) يظل لعقود مركز الظل في استراتيجيات الحرب البيولوجية. فالمعهد، الذي كان في خمسينيات وستينيات القرن الماضي مركزاً للأبحاث الهجومية في الحرب البيولوجية، هو اليوم المختبر الوحيد في وزارة الدفاع الأمريكية المجهز لدراسة أخطر الفيروسات، بما فيها فيروس هانتا نفسه. هذا التجسيد العسكري للوباء هو الذي يحول الجائحة من مجرد كارثة صحية إلى سلاح جيوسياسي بامتياز، خاصة وأن المستفيدين – وفقاً لتحقيقات صحفية – هم نفس اللاعبين: شركات الأدوية التي تنتظر تراخيص طارئة للقاحاتها قيد التطوير ، والحكومات التي تريد تمديد صلاحيات حالة الطوارئ، والمنظمات الدولية التي تبحث عن أزمة جديدة لتعزيز هيمنتها.
لكن لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليرتبط بشرايين العالم الاقتصادية. فقد يبدو الحديث عن مضيق هرمز بعيداً كل البعد عن معاهدة الجائحة، لكن الخيوط تلتقي في نقطة واحدة: الحفاظ على نظام الهيمنة الغربي، وخاصة هيمنة الدولار، في مواجهة صعود “الجنوب العالمي” بقيادة الصين. لم يعد الصراع مجرد صراع على النفط أو الأسواق، بل صراعاً على القدرة على فرض القواعد. ففي الجبهة الصحية، تحاول واشنطن وحلفاؤها فرض معاهدة تجعل البيانات الجينية لمسببات الأمراض سلعة مفتوحة لشركاتها، تماماً كما جعلت نظام “سويفت” المالي أداة لعقاب الخصوم. وفي الجبهة الاقتصادية، تسعى الصين إلى إنشاء مسارات تجارية بديلة وأنظمة دفع مالية مستقلة، بدأ العمل بها في تسويات النفط الروسي والإيراني باليوان. هنا يأتي دور مضيق هرمز، فأي تصعيد عسكري في هذا الممر المائي الحيوي ليس مجرد صراع إقليمي، بل هو محاولة لـحماية نظام البترودولار الذي ينهار تدريجياً، بهدف إبقاء أسعار النفط مرتفعة ومعاقبة كل من يتعامل مع إيران أو روسيا خارج النظام الدولاري. وكما تضيق الخناق على السفن في هرمز، تضيق أيضاً الخناق على الشعوب في قاعات المفاوضات الصحية. الجبهات الثلاث – الصحية والمالية والعسكرية – تعمل معاً كقبضة متعددة الأصابع، لا تترك شيئاً لتدفع به الأمة نحو الاستسلام.
وفي مقابل هذه الآلة المحكمة، بدأ “الجنوب العالمي” يصنع أدواته الخاصة. فليس أمام دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية خيار سوى التحرك الاستباقي. لقد تعلموا من دروس جائحة كورونا، حيث تخلت عنهم الدول الغنية بنهب ثرواتهم في سباق اللقاحات، فقرروا ألا يكونوا رقماً في معادلة الغير. اليوم، يبنون تحالفاتهم الاقتصادية الصلبة عبر “بريكس” والاتحاد الأفريقي، حيث أطلقوا مبادرة “PAVM” لتصنيع 60% من لقاحات أفريقيا محلياً بحلول 2040، وأنشأوا “بنك التنمية الجديد” لتمويل مشاريعهم الصحية دون شروط صندوق النقد الدولي. كما بدأوا في إنشاء “بنوك جينية إقليمية” تحمي ثرواتهم البيولوجية من النهب الممنهج، بحيث لا يمكن لأي مختبر أجنبي الحصول على عينات محلية دون اتفاقية موافقة مسبقة تنص بوضوح على تقاسم المنافع. بل إنهم بدأوا يفكرون في “نادي المشترين” للضغط الجماعي على شركات الأدوية لخفض الأسعار وكسر احتكار المعرفة. والأهم من كل ذلك، أن الوعي الجماهيري أصبح سيفاً حاداً: افتضاح أمر فشل اختبارات PCR وانكشاف علاقات التمويل بين منظمة الصحة العالمية ومؤسسة غيتس جعل الملايين يشككون في “الجائحة القادمة” التي يهدد بها تيدروس.
إنها معركة وجودية، وخاتمتها لن تكتب إلا بيد الأمة. الحرب البيولوجية لم تعد تكتيكاً يائساً في غرف المخابرات، بل أصبحت إحدى أدوات النظام القائم على القواعد، حيث تُحاصر الدولة بأربعة جيوش: جيش من الميكروبات المروَّعة في عناوين الصحف، وجيش من الديون المشروطة بقروض صندوق النقد السالبة للسيادة، وجيش من حاملات الطائرات يحرس “حرية الملاحة” للبترودولار، وجيش من شركات الأدوية يبيع اللقاح في زحمة الذعر. لكن الجنوب العالمي تعلم أن الجروح التي تُصنع بالخوف لا تلتئم إلا بوعي لا يخدع، وسيادة لا تُنتهك. لقد آن الأوان لأن ندرك أن درع الفقر ليس أماناً من الجائحة، وأن التخلي عن لقاحاتنا وتقنياتنا وأسواقنا لمن يهددنا بالحصار هو استسلام قبل المعركة.
لن تمر الجائحة القادمة، لا كجائحة، ولا كذريعة، ولا كأداة لابتزاز شعوبنا. لقد مضى زمن الخوف من الجرذان و حاملات الطائرات. اليوم، تشرق شمس الجنوب بلا استئذان، تُضيء حقيقة واحدة: إما أن نكتب بأيدينا مستقبل صحتنا، أو سيكتبه غيرنا… بأيدٍ ترتعش على مفاتيح طائرة، أو على مفاتيح لوحة مفاتيح تصنع فيروساً جديداً كلما احتاجت شركات الأدوية إلى موسم حصاد جديد. إن النضال من أجل الصحة العامة هو اليوم جزء من معركة التحرر الوطنية والأممية. كل قارض يُبحث عنه في مؤخرة سفينة، وكل “طفرات جديدة” تُصاغ في بيان لمنظمة الصحة العالمية بعد تعثر معاهدة الجائحة، وكل دولار يُدفع لتمويل “استعداد للجائحة” بشرط شراء لقاح معين… هي حلقات في طوق يريدون أن يخنقونا به. لا نملك إلا أن نقطف ذلك الحبل، ونصنع منه شراعاً لسفينتنا نحو الشرق والجنوب معاً، حيث التحالفات العادلة، وحيث الفيروس لا يخيف شعباً يصنع دواءه، والمدفع لا يردع دولة تملك قوتها وسيادتها.
لقد آن الأوان لتختار كل أمة منّا مصيرها: تختار أن تكون سوراً لا يُنقض، أو أن تكون ثغرةً يُؤتى منها.

