الرئيسيةمقالاتالعدل كقناع للسلطة: كيف استُدعي عمر لطمس ذاكرة الفتنة وإقصاء عثمان من السرد السياسي
مقالات

العدل كقناع للسلطة: كيف استُدعي عمر لطمس ذاكرة الفتنة وإقصاء عثمان من السرد السياسي

العدل كقناع للسلطة: كيف استُدعي عمر لطمس ذاكرة الفتنة وإقصاء عثمان من السرد السياسي

 

بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

 

ليست المشكلة في التاريخ أنه وقع، بل في أنه يُعاد تشكيله كلما احتاجت السلطة إلى معنى يقيها من ماضيها، وهنا تتجلى واحدة من أكثر المفارقات دلالة في الوعي الإسلامي السياسي: كيف يُستدعى نموذج عمر بن الخطاب في زمن عمر بن عبدالعزيز بوصفه معيار العدل، بينما يُترك عثمان بن عفان – وهو أموي النسب، بل أول من جلس على عرش الإسلام من بني أمية – خارج دائرة التوظيف السياسي، لا لضعف مكانته، بل لعظم ما ارتبط باسمه من لحظة الانكسار الأولى في جسد الأمة.

إن الفتنة التي انتهت بمقتل عثمان لم تكن حدثًا عابرًا، بل كانت لحظة تأسيسية لوعي الانقسام، لحظة انكشفت فيها هشاشة التوازن بين المثال والواقع، بين الخلافة بوصفها هداية، والسياسة بوصفها صراعًا. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد التاريخ يُقرأ كما هو، بل كما يجب أن يُدار؛ فالدولة التي قامت بعد ذلك، منذ معاوية بن أبي سفيان، لم تكن معنية بإحياء سؤال الفتنة، بل بإغلاقه، لأن فتحه يعني إعادة محاكمة البدايات، لا تثبيت النهايات.

ولهذا لم يكن تغييب عثمان تغييبًا لفضله، بل إبعادًا لصورته عن ساحة الصراع؛ لأن استدعاءه بوصفه “أمويًا” يعيد إلى الواجهة تلك اللحظة التي لم تُحسم في الضمير الجمعي: من المسؤول؟ ومن بدأ؟ ومن انحرف؟ وهي أسئلة لا تبني دولة، بل تهزها. فكان الحل الصامت: أن يُرفع عثمان إلى مقام لا يُمس، ويُخرج من دائرة التوظيف، ليبقى رمزًا دينيًا، لا أداة سياسية.

في المقابل، كان لا بد من إنتاج صورة أخرى، صورة لا تثير الأسئلة بل تُسكّنها، لا تفتح الجراح بل تُغطيها، وهنا يأتي استدعاء “العمرية” عبر عمر بن عبدالعزيز، لا بوصفه مجرد خليفة، بل بوصفه امتدادًا رمزيًا لعدلٍ مفقود. إن ربطه بعمر بن الخطاب لم يكن تفصيلاً نسبياً، بل كان خطابًا كاملًا يقول: إن هذا النظام، الذي شهد ما شهد، قادر على أن يُنجب من يعيد إليه روحه الأولى، وكأن العدالة ليست انقطاعًا بل امتداد، وليست توبة بل أصالة كامنة.

وهنا يتحول التاريخ من سجل للأحداث إلى أداة لإعادة صياغة الوعي؛ فلا يُستدعى من الرموز من هو أقرب نسبًا، بل من هو أصلح وظيفة. عثمان، رغم أمويته، يُذكّر بالفتنة، فيُترك. وعمر بن الخطاب، رغم بعده الزمني، يُذكّر بالعدل، فيُستحضر. ثم يُصاغ عمر بن عبدالعزيز كحلقة وصل، كجسر يعبر فوق التاريخ دون أن يغوص فيه، فيُمنح النظام فرصة أن يقول: لسنا كما يُقال عنا، بل فينا من يشبه البدايات.

إنها ليست مجرد عملية انتقاء، بل هندسة للذاكرة، حيث يُعاد ترتيب الرموز لا بحسب الحقيقة الكاملة، بل بحسب الحاجة السياسية؛ فالتاريخ لا يُمحى، لكنه يُعاد توجيهه، يُعاد توزيعه بين ما يُقال وما يُسكت عنه، بين ما يُرفع إلى السماء وما يُترك في الظل.

ومن هنا نفهم أن استدعاء عمر بن الخطاب في زمن عمر بن عبدالعزيز لم يكن فقط إحياءً لرمز العدل، بل كان – في أحد أبعاده العميقة – محاولة لتبييض الصفحة دون تمزيقها، لتجاوز الماضي دون مواجهته، ولإعادة تعريف الحاضر بمرآة لا تعكس كل شيء، بل ما يُراد له أن يُرى.

وهكذا يبقى السؤال الحقيقي ليس: لماذا ذُكر هذا وغُيّب ذاك؟ بل: من الذي يملك حق ترتيب الذاكرة؟ لأن من يملك هذا الحق، لا يكتب التاريخ فحسب، بل يكتب الوعي ذاته، ويحدد للأمة كيف تتذكر… وكيف تنسى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *