الرئيسيةمقالاتالقلب.. العدو الذي نسمّيه خلاصًا..بقلم: مستشار محمود السنكري
مقالات

القلب.. العدو الذي نسمّيه خلاصًا..بقلم: مستشار محمود السنكري

القلب.. العدو الذي نسمّيه خلاصًا

بقلم: مستشار محمود السنكري

دعنا نكفّ عن الكذب.. القلب ليس ملاكًا أُسيء فهمه بل قوة عمياء نقدّسها لأننا نخاف مواجهة الفراغ دونها. 

نمنحه سلطة مطلقة ثم نصرخ حين يُسيء استخدامها وما كل هذا البكاء إلا محاولة متأخرة لغسل أيدينا من قرارٍ اتخذناه بكامل وعينا.

القلب يعرف.. يعرف منذ اللمحة الأولى أن الطريق معطوب وأن النهاية لا تحتاج نبوءة لكنه يواصل السير لا بدافع الحب بل بدافع الإدمان ، إدمان الشعور… أي شعور حتى لو كان وجعًا مستمرًا لا يهدأ.

نحن لا نحب كما نزعم ، نحن نتعلّق لأن الوحدة أكثر فتكًا من الخذلان ونصبر لأن الانسحاب يتطلّب شجاعة لا نملكها ونغفر لأن الكرامة في زمن القلوب المرتبكة ترفٌ أخلاقي لا يحتمله الضعفاء.

القلب لا يُحطَّم كما ندّعي بل هو يسلم مفاتيحه بكامل إرادته ثم يتقن دور الضحية ببراعة فيبالغ في الألم النزف ليُقنع نفسه أنه لم يكن شريكًا في الجريمة وأنه كان بريئا طوال الوقت.

أسوأ ما في القلب أنه لا يريد الحقيقة بل يريد قصةً جميلة يعيد روايتها حتى وهو يختنق ، يريد أن يصدق أن الألم عميق لأنه نقي وأن الخسارة عظيمة لأنها كانت حبًا وهكذا تتحول المعاناة إلى وسام والفشل إلى بطولة مزيفة نتباهى بها في صمت.

في العمق الوجودي القلب كائن جبان يختبئ خلف المشاعر ليتهرّب من مسؤولية الاختيار ويحمّل الآخرين فشلا صاغه بيديه 

ثم يسأل بدهشة مصطنعة: لماذا يحدث هذا لي دائمًا؟ 

والجواب بسيط حد القسوة: لأنك اخترته مرة ومرتين وعشرات المرات وأنت تعلم.

القلب لا يبحث عن النجاة بل عن الاستمرار في الدور ذاته لأن التغيير يعني موت الصورة التي صنعها عن نفسه والإنسان يخاف موت صورته أكثر مما يخاف موته الحقيقي.

نحن لا نخاف القسوة بقدر ما نخاف الوضوح فالوضوح يفرض قرارًا والقرار يفرض خسارة والخسارة تعني أن نعيش دون أعذار نتكئ عليها.

وهنا تنتهي الأسطورة: ليس كل من تألم كان عميقًا ولا كل من صبر كان نبيلا ولا كل قلب مكسور يستحق التعاطف، فبعض القلوب تُكسر لأنها ترفض أن تتعلّم ويعاد كسرها لأنها ترفض أن ترى.

أما الخلاص فليس في شفاء القلب بل في كسر سلطته ، أن تنزله من مقام القداسة وتعيده إلى حجمه الحقيقي: أداة شعور لا محكمة وجود.

حينها فقط… يتوقف الإنسان عن لعب دور الضحية ويبدأ أخيرا في تحمل مسؤوليته كاملة فالحرية لا تبدأ حين نحب بل حين نكف عن تبرير ما يؤذينا بإسم القلب…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *