الرصاصة لا تزال في جيبي… حين تتحدث مصر بلغة النصر

بقلم: د. عائشة العولقي
المصرية اليمنية بكل فخر
لم يكن فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي»، الذي عُرض عام 1974، مجرد عمل سينمائي للترفيه، ولم تكن مشاهده مجرد قصة حب وحرب عابرة؛ بل كان واحدًا من الأعمال التي وثّقت ذاكرة وطن، وروت للأجيال قصة شعب لم يعرف الاستسلام، وجيش خاض معركة الكرامة حتى استرد الأرض والحق.
بطولة النجم الكبير محمود ياسين، إلى جانب الفنانة نجلا فتحي، جعلت الفيلم قريبًا من وجدان المصريين، وبقيت مشاهده حاضرة في الذاكرة كلما جاءت سيرة أكتوبر والنصر.
كان محمود ياسين، في شخصية الجندي المصري، يجسد إنسانًا خرج من أرضه إلى المعركة، يحمل آلام الوطن وأحلامه، ويعود من الحرب وهو أكثر إيمانًا بأن الأرض لا تُسترد بالكلمات، وإنما بالتضحية والإرادة والإيمان.
«الرصاصة لا تزال في جيبي»
عنوان الفيلم نفسه يحمل دلالة تتجاوز أحداث السينما.
فالرصاصة ليست مجرد قطعة من المعدن يحملها جندي، وإنما رمز لعهد لا يسقط بالتقادم؛ عهد بأن الأرض المصرية ليست للبيع، وأن الكرامة الوطنية لا تقبل المساومة، وأن المصري عندما تحين ساعة الدفاع عن وطنه يتحول إلى صف واحد، ويد واحدة، وقلب واحد.
ومن بين أكثر ما يظل عالقًا في الذاكرة تلك المشاهد التي تجمع بين الجندي المصري ورفاق السلاح، ومشاهد الجبهة، وانتظار لحظة المواجهة، ومشاعر الأسرة والحبيبة وهي تترقب عودة المقاتل.
لقطات بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت تقول الكثير:
خلف كل جندي أم تنتظر، وأب يدعو، وحبيبة تتمنى العودة، ووطن كامل ينتظر لحظة استرداد الكرامة.
وهنا تكمن قوة السينما عندما تتحول من مجرد صورة على الشاشة إلى ذاكرة وطنية حية.
أكتوبر… يوم استردت مصر ثقتها بنفسها
لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد معركة عسكرية، وإنما كانت لحظة فارقة في التاريخ المصري والعربي.
في السادس من أكتوبر، عبر جنود مصر قناة السويس، واقتحموا خط بارليف، وبدأت واحدة من أعظم صفحات التاريخ العسكري الحديث.
كان النصر ثمرة لإرادة شعب، وبسالة جيش، وتخطيط عسكري، وتضحيات رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
ولهذا بقيت حرب أكتوبر حاضرة في وجدان المصريين، لا باعتبارها ذكرى من الماضي، وإنما باعتبارها درسًا دائمًا في معنى الإرادة، والصبر، والإعداد، والقدرة على استرداد الحق.
ولم تتوقف قصة استعادة الأرض عند ساحات القتال؛ فقد جاءت بعد الحرب مرحلة السلام واستكمال استرداد سيناء، حتى عادت الأرض المصرية إلى أصحابها، وبقيت سيناء شاهدًا على أن الحرب والسلام يمكن أن يكونا طريقين لهدف واحد: حماية الوطن واستعادة حقوقه.
مصر عندما تحين ساعة الحقيقة
هذه هي الرسالة التي يمكن أن نستعيدها اليوم من فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي».
مصر لا تبحث عن الحرب، ولا تتمنى الصراع، لكنها في الوقت نفسه تعرف جيدًا كيف تحمي أرضها ومصالحها عندما تفرض الظروف عليها ذلك.
وعندما تحين ساعة الحقيقة، يثبت التاريخ أن المصريين قادرون على الوقوف صفًا واحدًا خلف وطنهم وجيشهم، وأن الجيش المصري ظل عبر تاريخه درعًا للوطن وسندًا لشعبه.
إن صورة الجندي المصري في الفيلم، وهو يحمل سلاحه ويواجه الخطر، ليست مجرد صورة فنية؛ إنها صورة لمرحلة كاملة من تاريخ مصر، مرحلة اختلطت فيها دموع الفراق بفرحة النصر، والخوف بالأمل، والتضحيات بالإيمان بأن الوطن يستحق كل شيء.
الرصاصة التي بقيت في الذاكرة
مرت عقود طويلة على إنتاج الفيلم، لكن عنوانه لم يفقد معناه.
فـ«الرصاصة» التي بقيت في الجيب أصبحت، مع مرور الزمن، رمزًا لذاكرة لا تنسى.
ذاكرة الشهداء.
ذاكرة الجنود.
ذاكرة الأمهات.
ذاكرة سيناء.
وذاكرة يوم السادس من أكتوبر، عندما أثبت المصريون أن المستحيل قد يصبح ممكنًا عندما تجتمع الإرادة مع التخطيط والإيمان.
رحم الله أبطال مصر الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن، ورحم الله قادة الحرب والسلام الذين حملوا مسؤولية واحدة من أصعب مراحل التاريخ المصري.
ويبقى الدرس الأهم:
مصر لا تنسى… ومصر لا تستسلم… ومصر تعرف كيف تحمي أرضها.
ومن بين صفحات التاريخ، ومن شاشة السينما، ومن ذاكرة أكتوبر، تبقى الرسالة واضحة:
الرصاصة لا تزال في جيبي… والوطن لا يزال في القلب.
الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر.
تحيا مصر.
تحيا مصر.
تحيا مصر.

