أنا وصديقي الفيلسوف
الحلقة الرابعة: حين تكون الجامعة جامعةً حقًّا
قرأتُ لصديقي الفيلسوف قول أحمد لطفي السيد:
«البيئة الجامعية تقوم على الإخلاص للعلم، والتضحية في خدمته، والاستقلال في الفكر والرأي والعمل».
ثم قلتُ له:
— ما أجمل هذه العبارة! غير أنني أتساءل: هل تكفي الأبنية الفخمة، والمدرجات الواسعة، وكثرة الشهادات، لكي يصبح المكان جامعة؟
ابتسم وقال:
— الجامعة لا تصنعها الجدران، بل تصنعها العقول التي تتحرر داخلها، والضمائر التي تخلص للعلم، والنفوس التي تدرك أن المعرفة رسالة، لا سلعة؛ وأن الأستاذ قدوة، لا مجرد صاحب وظيفة؛ وأن الطالب عقل يُبنى، لا رقم يُضاف إلى كشوف الحضور.
قلتُ:
— وما معنى الإخلاص للعلم؟
قال:
— أن تطلب الحقيقة لذاتها، لا لما تحققه لك من منصب أو شهرة أو منفعة. أن تنسب الفضل إلى أصحابه، وتعترف بخطئك حين يتبين لك الصواب، وألا تجعل البحث العلمي طريقًا إلى الوجاهة، ولا الشهادة ستارًا يخفي خواء المعرفة.
سألته:
— ولماذا قرن أحمد لطفي السيد الإخلاص بالتضحية؟
أجاب:
— لأن العلم لا يمنح أسراره لمن يطلبه في أوقات الفراغ وحدها. إنه يحتاج إلى عمرٍ يُبذل، وصبرٍ يطول، وراحةٍ تؤجَّل، وربما إلى مواقف يدفع صاحبها ثمنًا لأنه رفض أن يساوم على حقيقة، أو يوقع على باطل، أو يمنح ما لا يستحق لمن لا يستحق.
قلتُ:
— ولكن التضحية في سبيل العلم قد تكون شاقة.
قال:
— أجل؛ فليس كل من حمل لقبًا أكاديميًّا خادمًا للعلم، كما أن كل من جلس على كرسي الأستاذية لا يصبح أستاذًا بالضرورة. الأستاذية الحقيقية ليست درجةً وظيفية فحسب؛ إنها أمانة تقتضي أن يظل صاحبها طالبًا للمعرفة، وأن يفتح الأبواب لمن بعده، لا أن يغلقها خوفًا على مكانته.
ثم صمت قليلًا وقال:
— أخطر ما يصيب الجامعة أن يتحول العلم فيها إلى وسيلة للترضية، والترقية إلى مكافأة على الولاء، والرأي إلى صدىً لرأي الأقوى. يومئذ تبقى المباني، وتُمنح الدرجات، وتُقام الاحتفالات؛ لكن روح الجامعة تكون قد غادرت المكان.
قلتُ:
— ألهذا جعل الاستقلال في الفكر والرأي والعمل ركنًا من أركان البيئة الجامعية؟
قال:
— نعم؛ لأن الجامعة التي تخشى السؤال لا تنتج معرفة، بل تكرر محفوظات. والباحث الذي يعرف النتيجة المطلوبة منه قبل أن يبدأ بحثه، لا يبحث عن الحقيقة، وإنما يبحث عن الأدلة التي ترضي مَن ينتظرون تلك النتيجة.
سألته:
— وهل يعني استقلال الفكر أن يقول الإنسان ما يشاء دون قيد؟
قال:
— الاستقلال ليس فوضى، وحرية الرأي ليست إعفاءً من الدليل أو المسؤولية. العقل المستقل لا يرفض كل شيء لمجرد الرفض، ولا يخالف طلبًا للظهور؛ بل يزن، ويناقش، ويستدل، ثم يقول ما انتهى إليه ضميره العلمي، ولو خالف السائد أو أغضب أصحاب النفوذ.
قلتُ:
— إذن فالجامعة ليست مكانًا لتلقين الإجابات؟
قال:
— بل هي المكان الذي نتعلم فيه كيف نصوغ الأسئلة، وكيف نختلف دون خصومة، وكيف نراجع أفكارنا دون أن نفقد كرامتنا، وكيف يكون الولاء للحقيقة أسبق من الولاء للأشخاص.
ثم أضاف:
— الجامعة الحقيقية لا تطلب من أبنائها أن تتشابه أصواتهم، وإنما أن تكون لكل صوتٍ حجته، ولكل رأيٍ دليله، ولكل اختلافٍ أدبه. فإذا صار الصمت أكثر أمنًا من الكلام، والمجاملة أكثر نفعًا من الكفاءة، والطاعة أقصر طريقٍ إلى التقدم، لم يعد الخلل في فردٍ بعينه، بل في معنى الجامعة ذاته.
قلتُ:
— وما الذي يحمي هذا المعنى؟
قال:
— يحميه أستاذ لا يبيع ضميره، وباحث لا يسرق جهد غيره، وإدارة تجعل القانون فوق الأشخاص، وطالب يتعلم أن الاحترام لا يعني الخضوع، وأن الجرأة لا تعني الإساءة، وأن الحرية الأكاديمية يقابلها واجب النزاهة العلمية.
نهضتُ وأنا أعيد قراءة العبارة، ثم قلت:
— الآن أدركتُ أن البيئة الجامعية ليست مقرًّا نذهب إليه، بل منظومة قيم نحملها معنا.
ابتسم صديقي الفيلسوف وقال:
— الجامعة تبدأ جامعةً يوم يصبح العلم فيها أمانة، والتضحية شرفًا، والاختلاف حقًّا، والاستقلال مسؤولية. أما إذا خضع الفكر، وصمت الرأي، وتقدمت المصالح على الحقيقة، فلن تنقذها كثرة اللافتات ولا فخامة القاعات.
غادرتُه وبقي السؤال يرافقني:
كم مؤسسة تحمل اسم الجامعة، وكم جامعة تحمل حقًّا روح العلم؟
فالجامعة ليست موضعًا تُمنح فيه الشهادات فحسب؛ إنها ضمير المجتمع، ومساحة العقل الحر، والمكان الذي ينبغي أن تُقال فيه الحقيقة بأدب، وأن تُحمى فيه الكفاءة بعدل، وأن يظل العلم أعلى من الأشخاص والمصالح والمناصب.
د رشا علي الدين
#أنا_وصديقي_الفيلسوف
#الحلقة_الرابعة
#الجامعة
#استقلال_الفكر
#الحرية_الأكاديمية
#أخلاقيات_العلم

