دار الأوبرا المصرية.. حين تكون الهيبة عنوانًا للفن
الرئيسية » داليا حسام تكتب : وجهة نظر.. الأوبرا حين تكون الهيبة عنوانًا للفن
ثقافةمقالات

داليا حسام تكتب : وجهة نظر.. الأوبرا حين تكون الهيبة عنوانًا للفن

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

وجهة نظر.. الأوبرا حين تكون الهيبة عنوانًا للفن

 

✍️ داليا حسام – كاتبة و إستايلست 

 

في مصر، هناك أماكن ليست مجرد مبانٍ ندخلها ثم نغادرها، وإنما أماكن نشعر، منذ اللحظة الأولى، أننا دخلنا جزءًا من تاريخ بلدنا.

أماكن لها لغة خاصة، وهيبة تفرض عليك احترامها دون أن يطلب منك أحد ذلك.

دار الأوبرا المصرية واحدة من هذه الأماكن.

منذ اللحظة التي تطأ فيها قدماك المكان، تشعر بإحساس مختلف؛ هدوء، ونظام، وموسيقى، وجمهور جاء ليستمع ويشاهد، وفنانون يقفون على المسرح بعد ساعات وأيام وشهور من التدريب.

هنا الفن ليس مجرد أغنية تُسمع وتنتهي.

إنها قيمة، وتاريخ، واحترام للمسرح والفنان والجمهور.

 

الأوبرا أكبر من حفلة

عندما نتحدث عن الأوبرا، يجب أن نتذكر أولًا أننا نتحدث عن مؤسسة ثقافية مصرية ارتبط اسمها على مدار عقود بالموسيقى والغناء والباليه والأوركسترا والفنون المختلفة،

واحتضنت أجيالًا من الفنانين والفرق، وقدمت مواسم وحفلات وفعاليات ثقافية وفنية متنوعة.

لذلك فالأوبرا أكبر من برنامج، وأكبر من حفلة، وأكبر من موسم، وأكبر من لحظة عابرة.

الأوبرا مؤسسة.

والمؤسسة الكبيرة لا تُقاس فقط بعدد الحفلات التي تقدمها، وإنما بما تتركه وراءها.

  • كم فنانًا وقف على مسارحها؟
  • كم موهبة بدأت خطواتها الأولى من خلالها؟
  • كم طفل أو شاب دخل المكان للمرة الأولى، فارتبط قلبه بالموسيقى والفن؟
  • وكم ليلة أصبحت جزءًا من ذاكرة جمهور كامل؟

هذه هي القيمة الحقيقية.

 

الهيبة لا تعني البعد عن الناس

الهيبة الحقيقية للمكان لا تعني أن يكون بعيدًا عن الجمهور.

على العكس، الهيبة الحقيقية أن يقترب الناس منه وهم يشعرون بقيمته.

أن يدخل الشاب الأوبرا وهو يشعر أنه في مكان يستحق الاحترام، وفي الوقت نفسه يشعر أن له مكانًا فيه.

و تدخل الأسرة فتجد تجربة ثقافية متكاملة.

و يقف الفنان على المسرح، فيشعر أن المكان يقدّر مجهوده.

وأن يجلس الجمهور في مقعده، مدركًا أنه أمام عمل فني تم التحضير له بعناية.

 

للفن بروتوكول

وهنا يظهر معنى مهم جدًا:

الفن له بروتوكول.

وليس المقصود بالبروتوكول التعقيد أو الطبقية، وإنما احترام المكان والموعد والمسرح والفنان والجمهور.

الهدوء قبل العرض.

احترام الموسيقى.

الانضباط خلف الكواليس.

الدقة في المواعيد.

الاهتمام بالتفاصيل.

كل ذلك ليس مجرد شكليات.

إنها لغة مؤسسة فنية كبيرة.

 

التطوير لا يعني التخلي عن الأصل

ولأن الأوبرا تحمل تاريخًا طويلًا، فهي مطالبة دائمًا بالحفاظ على هذه اللغة، وفي الوقت نفسه بفتح أبوابها للمستقبل.

فالمحافظة على الهيبة لا تعني الجمود.

والتطوير لا يعني التخلي عن الأصل.

يمكن أن نحافظ على وقار المكان، ونقدم في الوقت نفسه فنًا معاصرًا.

كذلك يجب أن نحترم التراث، ونفتح الطريق أمام المواهب الجديدة.

وأيضاً أن نخاطب الأجيال الجديدة بلغة العصر، من دون أن نفقد روح الأوبرا.

 

وهنا، في رأيي، يكمن التحدي الحقيقي:

أن تظل الأوبرا حديثة من دون أن تفقد أصالتها، وقريبة من الجمهور من دون أن تفقد هيبتها.

 

القيمة الحقيقية في التفاصيل

قيمة المكان ليست في فخامته فقط، وإنما في التفاصيل التي تحدث داخله.

في الموسيقي الذي يتدرب ساعات طويلة.

و الفنان الذي يصعد إلى المسرح وهو يعرف أن الدقائق التي يراها الجمهور تقف خلفها سنوات من العمل.

و العامل الذي يدرك أن كل تفصيلة خلف الستار يمكن أن تؤثر في لحظة ظهور العرض.

أيضاً الجمهور الذي يدفع ثمن تذكرته، لكنه يأتي أيضًا ليشتري لحظة من الجمال.

لهذا، أعتقد أن الأوبرا تستحق دائمًا أن يكون الحديث عنها على قدر مكانتها.

 

نختلف في الأذواق، ونتناقش في البرامج، ونطالب بالتطوير، ونسأل عن المستقبل… وكل ذلك طبيعي.

لكن هناك شيئًا يجب ألا يضيع وسط كل ذلك:

احترام المؤسسة.

 

النقد من أجل الأفضل

الأشخاص يتغيرون.

والبرامج تتغير.

والمواسم تنتهي وتبدأ.

لكن المؤسسة التي تحمل تاريخًا ثقافيًا لا ينتهي عمرها بانتهاء موسم أو فعالية.

وهنا تأتي مسؤولية كل من يعمل داخلها، وكل من يقترب منها، وكل من يكتب عنها.

  • أن نحافظ على صورتها.
  • أن نطالب بتطويرها من باب الحرص عليها.
  • أن ننتقد ما يحتاج إلى نقد، لكن من دون أن ننسى قيمة المكان نفسه.

لأن النقد الحقيقي لا يهدم.

النقد الحقيقي يريد للمكان أن يكون أفضل.

 

الأوبرا.. ذاكرة تنتظر ليلة جديدة

في النهاية، يمكن لأي حفلة أن تنتهي.

ويمكن للجمهور أن يغادر.

وتُغلق أبواب المسرح في آخر الليل.

لكن الأوبرا تظل واقفة في مكانها، تحمل تاريخًا كاملًا، وتنتظر ليلة جديدة، وموسيقى جديدة، وجمهورًا جديدًا.

وربما أجمل ما يمكن أن نقوله عن الأوبرا هو:

إنها ليست فقط مكانًا يُقدَّم فيه الفن…

إنها مكان يعلّمنا كيف نحترم الفن.

وهذا وحده كافٍ لأن يجعل هيبتها مسؤولية مشتركة.

فالحفاظ على قيمتها ليس مجرد واجب على إدارة أو فنان، بل مسؤولية كل من يحب الفن، ويقدّر الثقافة، ويؤمن بأن للمؤسسات التي صنعت ذاكرة مصر حقًا علينا.

وجهة نظر.

✍️ داليا حسام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *