خلف أبواب عابدين.. ناريمان حين أصبحت ملكة في آخر أيام القصر
داليا حسام
بعد ما فتحنا أبواب القصر وشوفنا الملكات واحدة واحدة، وعرفنا إن الملكة لم تكن مجرد تاج وفستان ومجوهرات،
لكن كانت امرأة تدخل عالمًا له قواعده ومراسمه وتفاصيله الدقيقة،
نصل إلى حكاية مختلفة تمامًا.
حكاية فتاة صغيرة لم تولد أميرة، ولم تكبر وهي تعرف كيف تتعامل مع القصور، لكنها وجدت نفسها فجأة أمام أكبر لقب يمكن أن تحمله امرأة في مصر وقتها:
ملكة مصر
إنها ناريمان صادق
والأغرب في حكايتها إن ناريمان لم تدخل القصر في بداية عصر ملكي مستقر، لكنها دخلته في السنوات الأخيرة من عمر الملكية المصرية،
وكأنها وصلت إلى القصر في الوقت الذي كان فيه الستار يقترب من النزول.

من فتاة عادية إلى امرأة تستعد للقب الملكة
وُلدت ناريمان في القاهرة في 31 أكتوبر 1934، وكانت ابنة حسين فهمي صادق، أحد موظفي الدولة، وأصيلة كامل.
وعندما دخلت قصتها دائرة القصر، كانت لا تزال فتاة صغيرة.
وهنا ظهرت واحدة من أهم التفاصيل في حكايتها، والتي تكشف لنا شيئًا عن عالم القصر أكثر مما تكشفه الصور.
الملكة لم تكن تولد ملكة لمجرد أن اسمها أصبح مرتبطًا بالملك.
كانت هناك حياة كاملة يجب أن تتعلمها.
فبحسب تقرير صحفي معاصر نشرته مجلة «تايم» في يناير 1950، كانت ناريمان تتلقى دروسًا في آداب البلاط أثناء الفترة التي سبقت زواجها.
وهذه الجملة وحدها تستحق أن نتوقف عندها.
لأن آداب البلاط لم تكن مجرد أن تعرف الفتاة كيف ترتدي فستانًا أنيقًا.
كان عليها أن تتعلم كيف تظهر أمام الناس، وكيف تتعامل في المناسبات الرسمية،
وكيف تتحرك داخل مجتمع تحكمه المراسم، وكيف يصبح كل ظهور لها محسوبًا باعتبارها زوجة الملك.
ففي القصر، حتى التفاصيل الصغيرة كانت جزءًا من الصورة العامة.
متى تدخل؟
كيف تستقبل؟
كيف تجلس؟
ماذا ترتدي؟
ومتى يكون ظهورها رسميًا ومتى يكون خاصًا؟
وهنا بالضبط تظهر أهمية ناريمان في حكايتنا.
لأننا لا نتحدث عن ملكة نشأت سنوات طويلة داخل القصر، وإنما عن فتاة دخلت عالم المراسم وهي في سن صغيرة جدًا، وكان عليها أن تتعلم بسرعة.

حكاية التعارف.. بين الرواية والوثيقة
ارتبطت بداية حكاية ناريمان بالملك فاروق بقصة شهيرة عن رؤيته لها في أحد محال المجوهرات بالقاهرة.
لكن هنا لازم نقف عند نقطة مهمة.
الروايات حول هذه الواقعة ليست متطابقة.
هناك رواية ظهرت في الصحافة تقول إن فاروق رآها في محل مجوهرات، بينما كانت برفقة خطيبها زكي هاشم، الذي كانت مرتبطة به قبل ذلك.
وتوجد روايات أخرى، من بينها رواية نُقلت لاحقًا عن أفراد من عائلة الجواهرجي، تروي تفاصيل مختلفة عن كيفية اللقاء.
لذلك الأفضل تاريخيًا ألا نحول كل تفصيلة متداولة إلى حقيقة قاطعة.
المؤكد أن ناريمان أصبحت محور اهتمام الملك، وأن ارتباطها السابق بزكي هاشم انتهى، ثم بدأت الاستعدادات لزواجها من فاروق.
أما تفاصيل اللقاء الأول نفسها، فتبقى ضمن الروايات التي يجب التعامل معها بحذر.
وهذا في رأيي أجمل ما في كتابة التاريخ:
أن نقول ما نعرفه، ولا نخترع اليقين فيما لم يثبت.
قبل التاج.. كانت هناك حياة كاملة يجب أن تتغير
ناريمان لم تكن فقط أمام زواج من الملك.
كانت أمام تغيير كامل في شكل حياتها.
فمن فتاة من أسرة مصرية، أصبحت فجأة مطالبة بأن تعيش داخل دائرة القصر، وأن تتعلم قواعد مجتمع شديد الرسمية.
حتى الملابس لم تعد مجرد اختيار شخصي.
الفستان الذي ترتديه الملكة أمام الجمهور أصبح جزءًا من المناسبة.
والظهور أمام رجال الدولة والضيوف والشخصيات الرسمية يختلف عن الظهور داخل الحياة الخاصة.
وهذا ما يجعل دراسة أزياء الملكات مهمة بالنسبة لنا.
فالملابس في القصر لم تكن منفصلة عن المناسبة.
كانت جزءًا من لغة كاملة.
لغة تقول للناس:
- هذه مناسبة رسمية.
- وهذه زيارة.
- وهذا احتفال.
- وهذه لحظة خاصة.
وبالنسبة لناريمان، كانت هذه اللغة جديدة عليها تمامًا.

يوم أصبحت ناريمان ملكة
في 6 مايو 1951 تزوج الملك فاروق ناريمان.
وأقيمت مراسم الزواج في قصر القبة، أحد أهم القصور الملكية،
والذي ارتبط تاريخيًا بمناسبات زفاف أفراد الأسرة المالكة.
وتؤكد المصادر المعاصرة أن ناريمان لم تحضر مراسم عقد الزواج نفسها؛ إذ تم العقد في حضور الرجال، ثم ظهرت بعد ذلك في احتفالات الزفاف.
وهنا تظهر صورة شديدة الدلالة على طبيعة تلك الفترة.
كانت ناريمان تنتظر في منزلها، ثم خرجت بعد انتهاء مراسم العقد.
وبحسب تقرير «تايم» المنشور في مايو 1951، ظهرت مرتدية فستانًا أبيض من الساتان على الطراز الباريسي،
وكانت الأميرة فوزية، شقيقة فاروق الكبرى، ترافقها عند خروجها.
ثم اتجهت إلى القصر في موكب ملكي.
ووصفت الصحيفة وصولها إلى القصر وهي ترتدي فستانًا ذا ذيل طويل، حمل أطرافه أربعة أشخاص.

تخيلوا المشهد.
فتاة صغيرة تخرج من بيتها…
وبعد دقائق، تدخل القصر بصفتها ملكة مصر.
لم تعد ناريمان هي الفتاة التي كانت تُرى في شوارع القاهرة.
من تلك اللحظة، أصبحت كل حركة لها جزءًا من صورة الملكة.
الملكة التي دخلت القصر في زمن مختلف
زواج ناريمان من فاروق جاء بعد انتهاء زواجه من الملكة فريدة، التي استمر زواجها من الملك نحو عشر سنوات وأنجب ثلاث بنات.
لكن ناريمان كانت مختلفة في ظروف دخولها القصر.
فريدة عاشت سنوات طويلة داخل الحياة الملكية، بينما ناريمان دخلتها وهي شابة جدًا.
وفوق ذلك، كان الزمن نفسه قد تغيّر.
كانت مصر في الخمسينيات مختلفة عن مصر التي دخلت فيها فريدة القصر في الثلاثينيات.
والقصر نفسه لم يعد يعيش المرحلة التي عاشها في سنوات الملك فؤاد.
كانت هناك تغيرات سياسية واجتماعية كبيرة من حوله، والملكية كانت تقترب من آخر سنواتها.
وهنا تصبح حكاية ناريمان أكثر من مجرد قصة زواج ملكي.
إنها حكاية امرأة دخلت القصر في الفصل الأخير تقريبًا من تاريخ الملكية المصرية.

أربعة عشر شهرًا فقط تحت التاج
في يناير 1952، وبعد أشهر قليلة من الزواج، أنجبت ناريمان ابنها أحمد فؤاد.
وأصبح وجود طفل ذكر للملك حدثًا مهمًا في الأسرة المالكة، لأنه كان الوريث الوحيد لفاروق.
لكن ناريمان نفسها لم تعش طويلًا كملكة.
ففي 26 يوليو 1952 غادر فاروق مصر بعد تنازله عن العرش، وغادرت معه ناريمان وأفراد الأسرة المالكة إلى إيطاليا.
وتذكر المصادر أن ناريمان كانت ملكة لمدة نحو أربعة عشر شهرًا فقط.
وهنا نجد مفارقة تاريخية شديدة القسوة:
الفتاة التي احتاجت إلى وقت لتتعلم قواعد القصر، لم تحصل أصلًا على وقت طويل لتعيش ملكة.
دخلت عالم المراسم…
وتعلمت قواعده…
وارتدت التاج…
ثم وجدت نفسها خارج القصر.
من الملكة إلى المرأة التي اختارت طريقًا آخر
لم تنتهِ حياة ناريمان بخروجها من مصر.
في 1954 انتهى زواجها من فاروق بالطلاق،
وبعد ذلك تزوجت من الدكتور أدهم النقيب، ثم تزوجت لاحقًا من الدكتور إسماعيل فهمي.
وعاشت بعد ذلك بعيدًا عن العرش الذي لم يستمر معها سوى فترة قصيرة.
وهنا ربما تكون أهم نقطة في حكاية ناريمان.
أن لقب ملكة مصر لم يكن نهاية حياتها.
كان مجرد فصل منها.
فالتاريخ أحيانًا يحب أن يحتفظ بصورة المرأة وهي ترتدي التاج، وينسى تمامًا ماذا حدث لها بعد أن خلعت التاج.
وناريمان واحدة من هؤلاء النساء.
ناريمان.. آخر ملكة قرينة في مصر
تُذكر ناريمان باعتبارها آخر ملكة قرينة لمصر، وقد عاشت بعد نهاية الملكية أكثر من نصف قرن، حتى توفيت في القاهرة في 16 فبراير 2005.
لكن بالنسبة لنا في سلسلة «خلف أبواب عابدين»، لا نريد أن نتذكرها فقط باعتبارها آخر ملكة.
نريد أن نتذكرها كفتاة دخلت عالمًا لم تولد فيه، وتعلمت في فترة قصيرة قواعد عالم شديد التعقيد،
ثم أصبحت ملكة في وقت كانت فيه الملكية نفسها على وشك أن تنتهي.
وهنا نغلق باب ناريمان…
لكن قبل أن نغلقه، هناك سؤال أهم من حكاية زواجها وطلاقها:
كيف كانت الأميرة تتعلم منذ طفولتها أن تكون أميرة؟
- هل كانت بنات الأسرة المالكة يملكن حرية اختيار ملابسهن كما نعرفها اليوم؟
- هل كان هناك من يعلمهن طريقة المشي والجلوس والكلام واستقبال الضيوف؟
- وهل كان للطفلة داخل القصر «إتيكيت» خاص بها قبل أن تصبح يومًا ملكة أو أميرة؟
لأننا إذا كانت ناريمان قد احتاجت إلى أن تتعلم آداب البلاط وهي على أعتاب العرش…
فالأميرة التي وُلدت داخل القصر كانت تتعلم تلك القواعد منذ طفولتها.
وفي الباب القادم من «خلف أبواب عابدين»… لن ندخل وراء الملكة هذه المرة، لكننا سندخل عالم الأميرات؛
لنكتشف كيف كانت طفلة صغيرة تتعلم أن اسمها وحده يحمل لقبًا… وأن كل خطوة منها كانت جزءًا من صورة القصر.

