من يعتذر للطفل الذي كبر وهو يحمل أخطاء الكبار؟
الرئيسية » يعتذر للطفل الذي كبر وهو يحمل أخطاء الكبار؟
مقالات

يعتذر للطفل الذي كبر وهو يحمل أخطاء الكبار؟

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

من يعتذر للطفل الذي كبر وهو يحمل أخطاء الكبار؟
أطفالنا الذين يكبرون قبل أوانهم.. من المسؤول عن ذلك؟

✍️ بقلم: نجوان صفي الدين

 

من يعتذر لطفلٍ اضطر أن يفهم الخلافات الزوجية قبل أن يفهم معنى الطفولة؟

ومن يعتذر لطفلةٍ تعلمت أن تخبئ دموعها حتى لا تزيد أعباء أمها!؟

من يعتذر لطفلٍ حفظ نبرة صوت أبيه الغاضبة أكثر مما حفظ أغانيه؟

ومن يعتذر لذلك الصغير الذي وجد نفسه فجأة مطالبًا بأن يكون عاقلًا، متحملًا، صامتًا صابراً على مالم يحط به خبرا… بينما كان كل ما يحتاجه أن يكون طفلًا؟

تلك القسوة من المسؤول عنها؟ الأم أم الأب؟ أياً كان من المسؤول…هل يجب أن يشعر بها الطفل!

 

الحقيقة القاسية أننا كثيرًا ما نطلب من أطفالنا أن يتحملوا نتائج قرارات لم يشاركوا في اتخاذها نهائياً.

 

يتزوج الكبار… ويختلفون… ويتخاصمون… وينفصلون… ويتخذون قراراتهم في لحظات غضب، ثم يطلبون من الطفل أن يتكيف قسوة لا تحتمل.

 

وكأن قلب الطفل غرفة انتظار يمكن للكبار أن يضعوا فيها فوضاهم ثم يغادروا.

 

لكن الطفل لا يغادر.

 

يحفر المشهد معه في ذاكرته البريئة للأبد منتهى القسوة والرعب والخذلان من المسؤول!.

 

يحمل صوت الشجار، ونظرات الخوف، وغياب أحد الوالدين، والشعور بأنه السبب، والأسئلة التي لم يجد لها إجابة.

 

والأخطر أن بعض الأطفال لا يصرخون.

بل إنهم يتعلمون الصمت.

وهذا الصمت قد يخدع الكبار.

يقولون: “ابني عاقل.”لا حول ولاقوة إلا بالله

“بنتي فاهمة.”

“هو متقبل.”

“هي قوية.”

 

لكن ربما لم يكن الطفل قويًا…

 

ربما كان فقط قد فقد رفاهية الانهيار.

 

هناك أطفال لم يكبروا لأنهم أرادوا ذلك، وإنما لأن الظروف أجبرتهم على ارتداء ثوب أكبر من أعمارهم.

 

طفل أصبح مسؤولًا عن إخواته لأن البيت فقد توازنه.

 

طفلة أصبحت سندًا لأمها لأنها رأت في عينيها انكسارًا لم تستطع تجاهله.

 

طفل يتعلم أن يزن كلماته لأن كلمة واحدة قد تشعل شجارًا جديدًا.

 

وطفلة تكبر وهي تراقب مزاج الجميع قبل أن تتحدث، لأنها تعلمت مبكرًا أن الأمان ليس حقًا مضمونًا.

 

هؤلاء الأطفال قد يبدون بخير مُزيف.

 

يذهبون إلى المدرسة، يضحكون، يلعبون، وينجحون.

 

لكن بعضهم يحمل في داخله سؤالًا لا يعرف كيف يصوغه:

 

لماذا كان علي أن أدفع ثمن شيء لم أفعله؟

 

نحن أحيانًا نبرر أخطاءنا أمام الأطفال بعبارة بسيطة: “هم لسه صغيرين ومش فاهمين.”

وهذه واحدة من أخطر الأكاذيب.

 

الطفل قد لا يفهم تفاصيل المشكلة، لكنه يفهم الخوف.

يفهم الرفض.

يفهم الغياب.

يفهم الإهمال.

ويعي جيدًا عندما يشعر أنه غير مرغوب فيه.

 

قد لا يستطيع الطفل أن يشرح ألمه، لكنه يستطيع أن يقضي سنوات طويلة في محاولة فهمه.

 

ولهذا، ليست كل آثار الطفولة ظاهرة على الجسد.

هناك جروح لا تنزف.

هناك طفل يصبح بالغًا يخاف من الارتباط لأنه رأى الزواج معركة.

 

وآخر يرضي الجميع لأنه تربى على الخوف من الغضب.

وثالث لا يطلب شيئًا لأنه تعلم أن احتياجاته عبء.

ورابع يعتذر حتى عندما لا يخطئ، لأنه نشأ وهو يحاول دائمًا إطفاء الحرائق من حوله.

 

هنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

 

هل نربي أبناءنا فعلًا… أم نتركهم يتعلمون النجاة من أخطائنا؟

 

ليس المطلوب أن يعيش الآباء حياة مثالية؛ فلا توجد أسرة بلا خلافات، ولا إنسان بلا أخطاء.

 

لكن هناك فرقًا هائلًا بين أن يخطئ الأب أو الأم، وبين أن يجعل الطفل يدفع ثمن الخطأ.

 

هناك فرق كبير بين الانفصال وبين تحويل الطفل إلى رسول بين طرفين.

 

وبين الخلاف الزوجي وبين جعل الطفل شاهدًا عليه.

 

وبين الضيق المادي وبين تحميل الصغير مسؤولية ظروف الأسرة.

 

وبين تربية الطفل على المسؤولية وبين سرقة طفولته منه.

 

أطفالنا ليسوا علاجًا لفشلنا، ولا وسيلة للانتقام من شركائنا، ولا شهودًا على معاركنا، ولا مسؤولين عن إصلاح ما أفسده الكبار.

 

هم أمانة سنحاسب عليها جميعاً أب وأم.

 

والأمانة لا تعني أن نحميهم من كل ألم، فهذا مستحيل.

 

لكنها تعني ألا نصنع لهم ألمًا كان بإمكاننا أن نجنبهم إياه.

 

في النهاية…

قد ينسى الطفل تفاصيل كثيرة مما حدث في طفولته، لكنه لم ولن ينسى الشعور الذي تركته تلك السنوات داخله.

 

لذلك قبل أن نقول:

 

“الأطفال بينسوا.”

 

فلنسأل أنفسنا أولًا:

 

ماذا لو لم ينسوا؟

 

وماذا لو كان الطفل الذي نراه اليوم هادئًا ومطيعًا، يخوض في داخله معركة لم نكلف أنفسنا يومًا عناء السؤال عنها؟

 

ومن يعتذر له حين يكبر؟

 

ومن يعيد إليه السنوات التي اضطر فيها أن يكون كبيرًا… بينما كان من حقه أن يكون طفلًا أصلاً؟

 

عذراً ياصغيرى على سوء اختياراتنا الكارثية التي لم تكن يوماً طرفاً فيها.

عذراً لأنك وُلدت لتكون سببًا لابتسامتنا، فوجدت نفسك أحيانًا تحمل شيئًا من حزننا.

 

عذراً لأننا وضعناك في منتصف معارك لم تخترها، وطلبنا منك أن تفهم أشياء أكبر من عمرك، وأن تتحمل نتائج قرارات لم تكن لك فيها يد.

 

أعذرني عن كل مرة أخفيت فيها دمعتك حتى لا تزيد وجعنا، وعن كل سؤال ابتلعته لأنك شعرت أن الوقت ليس مناسبًا لسؤالك، وعن كل ليلة احتجت فيها إلى حضن… فوجدت الكبار منشغلين بخلافاتهم عن احتياجك.

 

أنت لم تكن المشكلة يا صغيري… بل كنت أجمل ما في الحكاية.

 

ولم تكن سببًا في أخطائنا، بل كنت السبب الذي كان يجب أن يجعلنا أكثر حكمة، وأكثر رحمة، وأكثر حرصًا على ألا ندفعك ثمنًا لم تختاره.

 

فإذا كبرت يومًا وسألت نفسك:

لماذا حدث كل هذا؟

 

فلا تبحث عن الخطأ في نفسك.والله بالله تالله لم تكن أبداً سبباً غير الفرحة.

 

الخطأ كان فينا نحن… حين نسينا أنك طفل، وأن الطفولة لا ينبغي أن تدفع فواتير الكبار.

 

سامحنا يا صغيري…

 

فقد جئتنا لتكون سبب ابتسامة، وكان يجب أن تكون طفولتك آخر شيء نسمح للحياة أن تكسره.

قلبي يعتصر ألماً.

عذراً ياصغيرى….

 

 

بقلم نجوان صفي الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *