إبراهيم الرفاعي.. أمير شهداء حرب أكتوبر وقائد الأشباح الذي أرعب العدو - النايل نيوز
أحدث الأخبار
الرئيسية » إبراهيم الرفاعي.. أمير شهداء حرب أكتوبر وقائد الأشباح الذي أرعب العدو
مقالات

إبراهيم الرفاعي.. أمير شهداء حرب أكتوبر وقائد الأشباح الذي أرعب العدو

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

إبراهيم الرفاعي.. أمير شهداء حرب أكتوبر وقائد الأشباح الذي أرعب العدو

 

في ذكرى استشهاده.. حكاية البطل الذي جعل من خلف خطوط العدو ساحة للبطولة، وترك اسمه خالدًا في سجل العسكرية المصرية

 

إعداد وصياغة صحفية عن كتاب «الأشباح» للكاتب والمؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله

 

في التاسع عشر من أكتوبر، تستحضر الذاكرة الوطنية المصرية سيرة واحد من أبرز أبطال القوات المسلحة المصرية، الشهيد العميد أركان حرب إبراهيم الرفاعي، قائد المجموعة 39 قتال، التي عُرفت باسم «مجموعة الأشباح»، بعدما تحولت عملياتها خلف خطوط العدو إلى واحدة من العلامات البارزة في تاريخ حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر المجيدة.

 

لم يكن إبراهيم الرفاعي مجرد قائد عسكري يتقدم رجاله في ساحات القتال، بل كان نموذجًا للمقاتل الذي جمع بين الشجاعة والتخطيط والقدرة على اتخاذ القرار في أصعب الظروف، فارتبط اسمه بالعمليات الخاصة والكمائن والإغارات التي استهدفت مواقع العدو وتجمعاته ومخازن أسلحته وطرق إمداده.

 

وتقدم صفحات كتاب «الأشباح» للكاتب والمؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله رواية تفصيلية عن حياة هذا البطل، منذ نشأته الأولى، مرورًا بمحطات خدمته العسكرية، وصولًا إلى قيادته للمجموعة 39 قتال واستشهاده خلال حرب أكتوبر.

 

النشأة.. من العباسية إلى الكلية الحربية

 

وُلد إبراهيم السيد الرفاعي في 27 يونيو عام 1931، بشارع البوستة القديمة في حي العباسية بالقاهرة. ونشأ في أسرة تقدّر الانضباط والواجب؛ فوالده السيد الرفاعي عمل بالإدارة في وزارة الداخلية، وينتمي إلى قرية الخلالة بمركز بلقاس بمحافظة الدقهلية، أما والدته فهي ابنة القائمقام عبد الوهاب لبيب، أحد رجال الجيش.

 

عاش الرفاعي طفولته وشبابه في مرحلة مضطربة من تاريخ مصر، وسط تنامي الحركة الوطنية ومقاومة الوجود البريطاني، ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية. وخلال دراسته بالمدرسة الثانوية العسكرية، تابع باهتمام أحداث حرب فلسطين عام 1948، واتخذ من البطل أحمد عبد العزيز قدوةً ومثالًا للمقاتل الوطني.

 

وفي عام 1951، التحق بالكلية الحربية، وتخرج في 27 يوليو 1954، ثم أُلحق بسلاح المشاة. غير أن طموحه العسكري دفعه إلى الالتحاق بسلاح الصاعقة، الذي كان من الأسلحة الحديثة في القوات المسلحة المصرية آنذاك.

 

وفي عام 1955، حصل على فرقة الصاعقة بمنطقة أبو عجيلة في سيناء، وحقق المركز الأول، في بداية مسيرة عسكرية كشفت عن قدراته البدنية والقتالية والاستثنائية.

 

العدوان الثلاثي.. أولى بصمات البطولة

 

مع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كان الرفاعي ضمن المقاتلين الذين شاركوا في عمليات المقاومة بمدينة بورسعيد، حيث تولى قيادة مجموعات نفذت كمائن وهجمات ضد القوات البريطانية.

 

ويروي كتاب «الأشباح» إحدى العمليات الجريئة التي استهدفت مدرعات العدو بالقرب من مبنى المحافظة، إذ استخدمت المجموعة أسلحة مضادة للدبابات من مسافة قريبة، وتمكنت، وفقًا للرواية الواردة بالكتاب، من تدمير عدد من المدرعات في دقائق.

 

وتكشف هذه العملية عن أسلوب الرفاعي في القتال: الاقتراب من الهدف، واستغلال طبيعة المكان، والمباغتة، ثم الانسحاب قبل أن يتمكن العدو من تحديد موقع القوة المهاجمة.

 

اليمن.. شجاعة في أصعب الظروف

 

امتدت تجربة الرفاعي القتالية إلى اليمن، ضمن القوات المصرية المشاركة في دعم الثورة اليمنية، في إطار العملية المعروفة باسم «9000».

 

وهناك، تولى قيادة كتيبة صاعقة وشارك في معارك وعمليات إغارة، وأظهر قدرة على التعامل مع التضاريس الجبلية والظروف الميدانية المعقدة.

 

ومن المواقف التي يرويها الكتاب، تحرك الرفاعي لإنقاذ كتيبة مصرية حوصرت في منطقة صرواح، بعدما أوشكت ذخيرتها على النفاد، بينما حالت الأحوال الجوية السيئة دون تنفيذ عملية إمداد جوي تقليدية.

 

وتشير الرواية إلى أنه سعى إلى إقناع عدد من الطيارين بالتطوع لتنفيذ المهمة، ثم شارك في توجيه عملية الإمداد على ارتفاع منخفض، رغم المخاطر التي فرضتها الجبال وضعف الرؤية ونيران القوات المعادية.

 

كما يروي الكتاب دوره في عملية «الجبل الأحمر» عام 1965، التي استهدفت مواقع ومخازن أسلحة للعدو، ويذكر أن أداءه في تلك المرحلة كان من أسباب ترقيته استثنائيًا إلى رتبة العقيد.

 

يونيو 1967.. مهمة خلف خطوط العدو

 

عقب حرب يونيو 1967، كُلّف الرفاعي بمهمة استطلاع قتالي على المحور الشمالي، بهدف إبطاء تقدم القوات الإسرائيلية وإتاحة الوقت للقوات المصرية للانسحاب وإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز الدفاع عن بورسعيد.

 

وتوضح الرواية أن الرفاعي تحرك بمجموعة محدودة من المقاتلين وسط ظروف شديدة الصعوبة، وتمكن من التصدي لمقدمة قوة مدرعة معادية، ما ساعد على تعطيل تقدمها، قبل أن يعود برجاله، وبينهم مصابون.

 

وفي أعقاب النكسة، شارك كذلك في عمليات استهدفت تعطيل استخدام معدات وعتاد عسكري تُرك خلال الانسحاب، في إطار الجهود المصرية لمنع العدو من الاستفادة من تلك المعدات.

 

كانت تلك المرحلة بداية التحول نحو عمليات نوعية تعتمد على مجموعات صغيرة مدربة، تعمل في عمق مواقع العدو وتستهدف إرباكه وحرمانه من الشعور بالأمان.

 

المجموعة 39 قتال.. حكاية الأشباح

 

مع اتجاه القيادة المصرية إلى تنفيذ عمليات عسكرية محدودة خلف خطوط العدو خلال حرب الاستنزاف، وقع الاختيار على العقيد إبراهيم الرفاعي لقيادة مجموعة من المقاتلين المتخصصين في المهام الخاصة.

 

شارك الرفاعي في اختيار عناصر المجموعة من ضباط وصف ضباط وجنود سلاح الصاعقة والصاعقة البحرية، وبدأ إعدادهم لتنفيذ عمليات دقيقة تتطلب السرية والانضباط والقدرة على التحرك في عمق مواقع العدو.

 

وعُرفت المجموعة باسم «المجموعة 39 قتال». ويورد الكتاب روايتين لتفسير الاسم؛ الأولى ترتبط بوصول عدد أفراد المجموعة إلى 39 مقاتلًا، والثانية تربطه بإتمام 39 عملية قتالية قبل الاستقرار على الاسم.

 

أما لقب «الأشباح»، فقد ارتبط بقدرة المجموعة على تنفيذ عمليات مفاجئة والانسحاب دون أن يتمكن العدو من تحديد مواقعها أو تعقب أفرادها بسهولة.

 

وخلال حرب الاستنزاف، نفذت المجموعة، بحسب ما أورده الكتاب، عشرات العمليات التي شملت الإغارات والكمائن والاستطلاع واستهداف المواقع المحصنة والمطارات ومخازن الذخيرة والإمدادات داخل سيناء.

 

ولم تكن قيمة هذه العمليات في خسائر العدو المادية وحدها، بل في أثرها النفسي والعسكري؛ فقد فرضت عليه حالة دائمة من الحذر، وأثبتت أن القوات المصرية قادرة على المبادأة والمناورة حتى في أصعب الظروف.

 

قائد لا يترك رجاله

 

تقدم الروايات التي تناولت شخصية الرفاعي صورة قائد شديد الحزم في الميدان، لكنه قريب من رجاله، يهتم بأحوالهم الشخصية، ويتعامل معهم بروح الأب والأخ الأكبر.

 

كان يعرف أن الخطأ في العمليات العسكرية لا يعني مجرد إخفاق عابر، بل قد تكون له عواقب خطيرة على حياة المقاتلين ونجاح المهمة. لذلك جمع بين الرعاية الإنسانية والانضباط الصارم، وبين الهدوء في التعامل والحسم عند مواجهة العدو.

 

وتنقل الرواية عنه موقفًا يلخص نظرته إلى التضحية والواجب؛ فقد كان يعاني آلام قرحة المعدة، ومع ذلك رفض الابتعاد عن الميدان للعلاج في وقت كانت فيه مصر تخوض معركتها لاستعادة الأرض، مفضلًا الاستمرار في أداء مهمته.

 

وتكشف هذه المواقف عن جانب آخر من شخصيته، بعيدًا عن مشاهد الاشتباك؛ جانب قائد يرى أن مسؤوليته لا تنتهي عند إصدار الأوامر، وإنما تمتد إلى حماية رجاله والوقوف إلى جوارهم في الشدائد.

 

حرب أكتوبر.. الأشباح في قلب المعركة

 

مع اندلاع حرب أكتوبر 1973، واصل الرفاعي قيادة رجاله في عمليات استهدفت مواقع العدو ومخازن ذخائره وطرق إمداداته، كما نفذت المجموعة هجمات ضد أهداف حيوية لتعطيل قدرة القوات الإسرائيلية على مواصلة القتال بكفاءة.

 

ومع تطورات المعركة وظهور ثغرة الدفرسوار، برزت أهمية العمليات التي تستهدف إبطاء تحركات العدو ومنع تمدده، إلى جانب استنزاف قواته وإرباك خطوط إمداده.

 

وفي هذه المرحلة، ظل الرفاعي في مقدمة رجاله، يتابع تحركات القوات المعادية ويشارك في مهام الاستطلاع والاشتباك، رغم الإرهاق والظروف القاسية التي فرضتها المعارك المتواصلة.

 

اللحظات الأخيرة.. اشتباك حتى النفس الأخير

 

يروي كتاب «الأشباح» تفاصيل المهمة الأخيرة التي خرج فيها الرفاعي مع ثلاثة من مقاتلي المجموعة، هم الرقيب أول مصطفى إبراهيم، والعريف محمد الصادق عويس، والجندي شريف، لاستطلاع تحركات العدو في قطاعهم.

 

كان ذلك في فجر يوم من أيام القتال خلال شهر رمضان، وسط شبورة كثيفة وحقول مزروعة بالذرة، بينما تحركت المجموعة بحذر لرصد مواقع الدبابات والمدفعية والتجهيزات المعادية.

 

وخلال المهمة، عثر الرفاعي ورجاله على موقع يضم صاروخين مصريين من طراز «سام 6»، بحسب الرواية الواردة بالكتاب، فعمل على تأمين نقلهما إلى القوات المصرية في الخلف حتى لا يقعا في أيدي العدو.

 

لكن تحرك الصواريخ لفت انتباه القوات الإسرائيلية، التي دفعت بقوة مدرعة لملاحقتها، وبدأ الاشتباك.

 

تقدم مصطفى إبراهيم مستخدمًا قاذفًا صاروخيًا مضادًا للدبابات، وتمكن من إصابة الدبابة الأولى، ثم تولى الرفاعي الاشتباك مع الدبابة الثانية، بينما واصل بقية أفراد المجموعة تأمين التحرك والتعامل مع مصادر النيران.

 

وبعد ذلك، أُطلقت قذائف هاون باتجاه المجموعة، وانفجرت إحداها خلف الرفاعي مباشرة، فأصابته شظايا اخترقت رئتيه، وفقًا لما أورده الكتاب.

 

لم يدرك رفاقه في البداية مدى خطورة إصابته؛ إذ حمله مصطفى إبراهيم محاولًا الوصول به إلى القوات المصرية، وسط نيران العدو وملاحقة طائرة مروحية إسرائيلية أطلقت النار باتجاههم.

 

وبعد اشتباك عنيف، تمكن المقاتلون من الوصول إلى سيارة نقلت الرفاعي إلى مستشفى الجلاء العسكري، حيث حاول الأطباء إنقاذه، إلا أن إصابته كانت بالغة.

 

هناك، تلقى رفاقه الخبر الذي لم يكن أحد يتمنى سماعه: استشهاد قائدهم.

 

رحل إبراهيم الرفاعي، لكن الصورة التي تركها في نفوس رجاله ظلت حاضرة؛ صورة القائد الذي تقدم الصفوف، وخاطر بحياته من أجل مهمته ورفاقه ووطنه.

 

«مصر جريحة.. وتحتاج إلى العلاج»

 

من العبارات التي ينقلها الكتاب عن الرفاعي، في سياق رفضه الابتعاد عن الميدان للعلاج، قوله إن مصر جريحة وتحتاج إلى العلاج، وإن أبناءها هم الأجدر بأن ينهضوا بمسؤولية تضميد جراحها، ثم يبحثوا بعد ذلك عن علاج لأنفسهم.

 

وتلخص هذه العبارة، كما تقدمها الرواية، فلسفة رجل وضع الواجب الوطني في مقدمة أولوياته، ولم يفصل بين ما يؤمن به وما يمارسه على أرض الواقع.

 

كان الرفاعي مقاتلًا شرسًا في مواجهة العدو، لكنه في الوقت نفسه قائد يهتم برجاله، ويحرص على حياتهم، ويعرف أن نجاح المهمة يتوقف على تماسك المجموعة وثقة أفرادها في قائدهم.

 

أوسمة ونياشين.. سجل من التكريم العسكري

 

يورد كتاب «الأشباح» قائمة بالأوسمة والأنواط التي حصل عليها إبراهيم الرفاعي خلال مسيرته العسكرية، من بينها نوط الشجاعة العسكري، ووسام النجمة العسكرية، ونوط الواجب العسكري، ووسام نجمة الشرف العسكرية، ووسام نجمة سيناء، إلى جانب وسام الشجاعة الليبي.

 

وتعكس هذه القائمة، وفقًا لما أورده الكتاب، سجلًا حافلًا بالتكريم عن أعمال عسكرية ومواقف بطولية خلال مراحل مختلفة من خدمته.

 

ولأن الأوسمة والتواريخ الواردة في القوائم التاريخية تحتاج إلى مطابقة مع السجلات الرسمية، يُفضّل مراجعة القائمة الأصلية قبل نشرها باعتبارها حصرًا نهائيًا لجميع تكريماته.

 

إبراهيم الرفاعي.. سيرة لا تختصرها الكلمات

 

لم تكن بطولة إبراهيم الرفاعي مرتبطة بعملية واحدة أو معركة بعينها، بل تشكلت عبر سنوات من التدريب والقتال والتضحية، من بورسعيد إلى اليمن، ومن أعقاب حرب 1967 إلى حرب الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر المجيدة.

 

لقد ارتبط اسمه بالمجموعة 39 قتال، التي جعلت من العمل خلف خطوط العدو وسيلة لإرباكه واستنزافه، ورسخت صورة المقاتل المصري القادر على المبادأة رغم صعوبة الظروف.

 

وفي ذكرى استشهاده، تبقى سيرته شاهدًا على معنى القيادة حين تتحول إلى مسؤولية، والشجاعة حين تقترن بالوعي والتخطيط، والتضحية حين يكون الوطن هو الغاية.

 

رحم الله الشهيد العميد أركان حرب إبراهيم الرفاعي، أمير شهداء حرب أكتوبر، وجعل ذكراه مصدر فخر واعتزاز للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *