التشابه بين الأدب والفن التشكيلي.. رحلة بين الكلمة واللون
الرئيسية » الإبداع الأدبي وتشابهه مع الفن التشكيلي
منوعات

الإبداع الأدبي وتشابهه مع الفن التشكيلي

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

الإبداع الأدبي وتشابهه مع الفن التشكيلي

✍️ بقلم / محمد سليمان

ليس الأدب إلا رسماً بالكلمات وليس الفن التشكيلي إلا شعراً بالألوان. ومنذ اللحظة الأولى التي خط فيها الإنسان خطاً على جدار كهف وكتب فيها أول استعارة والمساران يسيران جنباً إلى جنب، يتبادلان الأدوات والمدارس والهموم.

إن نظرنا إلى تاريخ الإبداع سنجد أن كل حركة صارت في الرسم.
صارت مثلها تماماً في الأدب وكأن الأديب والرسام يجلسان في مرسم واحد
هذا يحمل قلماً وذاك يحمل فرشاة.

1- البداية الواحدة: الواقعية.. فن المرآة

في الفن التشكيلي
تقوم المدرسة الواقعية على مبدأ بسيط: ارسم ما تراه عينك بلا تجميل ولا قبح. رسام مثل كوربيه أو لوحات الفنانين المصريين الأوائل كانوا يرسمون الفلاح والعامل والشارع بترابه وعرقه. اللوحة هنا مرآة.

في الإبداع الأدبي.
يقوم الأدب الواقعي على نفس المبدأ. الأديب لا يخترع عالماً مثالياً بل ينقل العالم كما هو. نجيب محفوظ في الثلاثية وتولستوي في الحرب والسلام كانوا يرسمون بالكلمات. يصفون الغرفة ورائحة الطعام وطريقة كلام الناس.
القارئ لا يقرأ بل يرى.

التشابه هنا في الوظيفة: التوثيق والشفافية.
كلاهما يقول: سأريك الحقيقة كما هي وإن كانت موجعة.

2- الانقلاب الأول
الانطباعية والتعبيرية.. من العين إلى القلب

ملّ الفنان من كونه آلة تصوير. فسأل نفسه: لماذا أرسم الشجرة كما هي؟ لماذا لا أرسم شعوري وأنا أنظر إليها؟

هنا ولدت الانطباعية في الرسم مع مونيه ورينوار. لم يعودوا يرسمون المنظر بل يرسمون أثر الضوء على المنظر للحظة عابرة. ضربة فرشاة سريعة، لون ذائب، بلا تفاصيل.

وفي نفس اللحظة ولد الأدب الانطباعي والتعبيري
لم يعد الشاعر يقول “الليل طويل”
بل يقول “الليل يضع يده الباردة على قلبي”. لم يعد يصف المرأة، بل يصف ارتعاشه حين مرت.

وهنا يلتقيان في استخدام نفس الأدوات:
– الرسام يستخدم “الضباب اللوني” ليخفي التفاصيل.
– الأديب يستخدم “الضباب اللغوي” فيقول: منسوج من فم الأقاحي، تضيع يد الماء بالماء. كلمات لا تعطيك معنى واضحاً، بل تعطيك إحساساً ذائباً، تماماً كلوحة مائية.

3- الهروب الكبير: السريالية والرمزية والتجريد.. رسم ما لا يُرى

وهذه هي قمة التشابه وذروة الإبداع. عندما قرر الفنان أن الواقع المرئي لم يعد يكفيه، فقرر أن يرسم ما وراءه: الحلم، واللاوعي، والرغبة المكبوتة.

أ- السريالية
في الرسم: ساعات تذوب، وأفيال بأرجل طويلة كالعناكب عند سلفادور دالي.
في الأدب: جمل مستحيلة منطقياً لكنها حقيقية نفسياً. مثل قول مايا عوض: “عصفور خاط شعره من فجر الأماني”. هل رأيت عصفوراً يخيط شعره؟ لا. لكن هل شعرت به؟ نعم. هذا هو السريالي: رسم الحلم.

ب- الرمزية
في الرسم: يرسم الفنان غراباً أسود فوق شجرة جافة، وهو لا يقصد الغراب، بل يقصد الموت.
في الأدب: يستخدم الأديب الوردة رمزاً للأنثى، والبحر رمزاً للحرية، والقيد رمزاً للمجتمع. لا يقول الشيء، بل يرسم رمزه.

ج- التجريدية:
في الرسم: يصل الفنان إلى مرحلة يرسم فيها مربعاً أحمر ويقول: هذا هو الغضب. يتخلى عن الشكل تماماً.
في الأدب: يصل الأديب لنفس المرحلة فيقول: “أحيك لي جسداً لا يد له ولا زوايا، حراً طليقاً تغار منه القوافي”. هذا ليس جسداً بشرياً، هذا تجريد لفكرة الحرية. جسد مصنوع من حروف، لا من لحم.

4- لماذا تزداد المصطلحات؟ لماذا يزداد العمق؟

قد يسأل سائل: لماذا كل يوم نسمع مصطلحاً جديداً: واقعية سحرية، ما بعد حداثة
تيار وعي تفكيكية.

الجواب من عالم الفن التشكيلي بسيط: لأنه كل يوم تُخترع فرشاة جديدة.

– عندما اخترع الرسام الفرشاة المروحة، استطاع أن يرسم السحاب بطريقة جديدة. وعندما اخترع الأديب مصطلح (تيار الوعي) استطاع أن يرسم أفكار الإنسان المتطايرة داخل رأسه بلا ترتيب، كما هي.
– عندما اخترع الرسام الألوان الزيتية الثقيلة.
– استطاع أن يصنع ملمساً للوحة. وعندما اخترع الأديب الواقعية السحرية استطاع أن يصنع ملمساً سحرياً للواقع
– فيجعل الميت يتحدث والشجر يمشي دون أن تكذب القصة.

كل مصطلح أدبي جديد هو لون جديد على لوحة الألوان. وكل مدرسة فنية جديدة هي قاموس جديد للغة. كلما زادت الألوان زاد عمق اللوحة. وكلما زادت المدارس زادت طلاقة الإبداع الأدبي لأنه يجد لغة جديدة يقول بها ما كان يعجز عن قوله.

والنهاية متذوق واحد

 

وفي النهاية…..

اللوحة العظيمة ليست التي تنظر إليها بل التي تدخل إليها وتهرب بداخلها. والقصيدة العظيمة ليست التي تقرأها بل التي ترى ألوانها.

لهذا لا يوجد فرق بين رسام يقرأ قصيدة. فيرى فيها لوحة زيتية حزينة بألوان داكنة وبين أديب يرى لوحة فيكتب عنها قصيدة.

كلاهما يفعل شيئاً واحداً: يحاول أن يرسم ما لا يُرسم ويكتب ما لا يُكتب. الفرشاة تنطق والقلم يرسم
محمد سليمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *