الحلقة 14 | من أنت؟… الإنسان الذي تراه والإنسان الذي تخفيه - النايل نيوز
الرئيسية » الحلقة 14 | من أنت؟… الإنسان الذي تراه والإنسان الذي تخفيه
خواطرمقالات

الحلقة 14 | من أنت؟… الإنسان الذي تراه والإنسان الذي تخفيه

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

سلسلة: تأملات في الإنسان والحياة | رؤية من زاوية أخرى

الحلقة 14 | من أنت؟… الإنسان الذي تراه والإنسان الذي تخفيه

 

بقلم: د. أحمد الجندي — كاتب وباحث علمي

هل تعرف نفسك حقًا؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، وربما تظن أنك تعرف الإجابة جيدًا. أنت تعرف ما تحب، وما تكره، وما الذي يغضبك، وما الذي يسعدك.

لكن هل هذه المعرفة تكفي لتقول إنك تعرف نفسك؟

ماذا لو كانت هناك جوانب في شخصيتك لا تظهر إلا في مواقف معينة؟ وماذا لو كنت ترى نفسك من خلال صورة صنعتها عن ذاتك منذ سنوات، بينما تغيرت أنت دون أن تنتبه؟

في رحلتنا السابقة، تأملنا كيف تتغير معاني الأشياء باختلاف العلاقات والسياق. واليوم نقترب من الإنسان نفسه، لنسأل سؤالًا أكثر عمقًا:

 

هل الإنسان هو الصورة التي يعرفها عن نفسه، أم أن داخله جوانب لم يكتشفها بعد؟

الإنسان الذي نعرفه عن أنفسنا

لكل واحد منا صورة ذهنية عن نفسه.

قد ترى نفسك شخصًا هادئًا، أو صبورًا، أو قويًا لا ينكسر بسهولة. وقد تعتقد أنك لا تحب المواجهة، أو أنك لا تثق بالآخرين، أو أنك قادر دائمًا على التحكم في مشاعرك.

هذه الصورة ليست بالضرورة خاطئة.

لكنها قد تكون غير مكتملة.

فأنت لا تعرف نفسك من خلال ما تفعله فقط، بل أيضًا من خلال ما تتذكره عن نفسك، وما تقوله لنفسك، وما اعتدت أن تصدقه عن شخصيتك.

وقد تظل متمسكًا بوصف معين لنفسك لأنك عرفته في مرحلة سابقة من حياتك.

كنت خجولًا في طفولتك، فربما تستمر في وصف نفسك بالخجل، حتى بعد أن تصبح أكثر قدرة على التواصل.

أو مررت بتجربة فشل، فبدأت تشك في قدراتك، رغم أنك اكتسبت بعد ذلك خبرات جديدة لم تمنح نفسك فرصة لتقديرها.

وهنا يظهر سؤال مهم:

هل نرى أنفسنا كما أصبحنا، أم كما اعتدنا أن نتذكر أنفسنا؟

 

لماذا نتصرف أحيانًا بطريقة تفاجئنا؟

ربما مررت بموقف قلت فيه كلمة قاسية لم تكن تتوقع أن تقولها.

أو وجدت نفسك أكثر خوفًا مما كنت تتصور.

أو اكتشفت أنك قادر على اتخاذ قرار صعب، رغم أنك كنت تعتقد دائمًا أنك تتجنب المواجهة.

في مثل هذه اللحظات، نكتشف أن معرفتنا بأنفسنا ليست نهائية.

فبعض جوانب الشخصية لا تظهر بوضوح في الحياة اليومية، وإنما تكشفها الضغوط والتجارب والاختيارات الصعبة.

الشخص الذي يبدو قويًا قد يحتاج أحيانًا إلى من يسانده.

والشخص الذي يبدو هادئًا قد يحمل داخله قلقًا لا يعرف كيف يعبّر عنه.

والشخص الذي يعتقد أنه لا يخاف قد يكتشف أن هناك أمورًا يخشى خسارتها أكثر مما كان يتصور.

هذا لا يعني أن الإنسان يخفي دائمًا حقيقة مختلفة عما يظهره، بل يعني أن الشخصية أوسع من وصف واحد، وأن المواقف قد تكشف جوانب لم ننتبه إليها من قبل.

 

هل نختلف من مكان إلى آخر؟

تأمل نفسك في مواقف مختلفة.

كيف تتحدث مع أصدقائك؟ وكيف تتصرف عندما تتحمل مسؤولية؟ وكيف تكون عندما تواجه شخصًا تحبه؟ وكيف تتعامل مع نفسك عندما تخطئ؟

قد تلاحظ اختلافًا في أسلوبك من موقف إلى آخر.

أحيانًا تكون حازمًا، وأحيانًا متسامحًا.

أحيانًا تتحدث بثقة، وأحيانًا تتردد.

وأحيانًا تمنح الآخرين نصائح لا تستطيع تطبيقها على نفسك.

هل يعني هذا أنك شخصيات متعددة؟

ليس بالضرورة.

فالإنسان يمتلك جوانب مختلفة، وتظهر هذه الجوانب بحسب طبيعة الموقف وخبرته وحالته النفسية والضغوط التي يواجهها.

لكن من المهم أن نميز بين التكيف الطبيعي مع الظروف وبين التناقض الذي يحتاج إلى مراجعة.

أن تتصرف بحزم عندما تكون مسؤولًا، وبحنان عندما يحتاج إليك شخص قريب، فهذا لا يعني أنك فقدت هويتك.

أما أن تدافع عن قيمة أمام الناس، ثم تتخلى عنها عندما تتعارض مع مصلحتك، فهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة.

أي الجوانب التي تظهر منك تعبّر عن قيمك الحقيقية، وأيها يتغير لمجرد إرضاء الآخرين أو تجنب المواجهة؟

 

الصورة التي نريد للآخرين أن يروها

لا يقدم الإنسان نفسه للآخرين بكل ما بداخله.

قد يخفي حزنه حتى لا يقلق أسرته، أو يتظاهر بالقوة حتى لا يبدو ضعيفًا، أو يلتزم الصمت حتى لا يدخل في خلاف لا يريده.

وأحيانًا تكون هذه التصرفات جزءًا طبيعيًا من الخصوصية وضبط المشاعر.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الصورة التي نعرضها للآخرين إلى قيد نعيش داخله.

فالشخص الذي يريد أن يبدو قويًا طوال الوقت قد يجد صعوبة في طلب المساعدة.

والذي اعتاد أن يكون مصدر الحلول للجميع قد يشعر بالذنب عندما يعترف بأنه لا يعرف ماذا يفعل.

والذي يخشى انتقاد الآخرين قد يختار قرارات لا تشبهه، فقط حتى يحافظ على قبولهم.

ومع الوقت، قد ينشغل الإنسان بحماية صورته أكثر من اهتمامه بفهم نفسه.

وهنا يجب أن نسأل:

هل نعيش بالطريقة التي نؤمن بها، أم بالطريقة التي تضمن لنا أن يرانا الآخرون كما نريد؟

 

المصفوفة الداخلية للإنسان

إذا نظرنا إلى الإنسان باعتباره مجموعة من العلاقات والتجارب والاختيارات، فسوف نكتشف أن فهمه لا يتوقف عند صفاته الظاهرة.

هناك علاقة بين ما عاشه في الماضي، وما يؤمن به اليوم، وما يتوقعه من المستقبل.

وهناك علاقة بين مخاوفه وقراراته، وبين احتياجاته وطريقة تعامله مع الآخرين.

وقد يؤثر موقف قديم في قرار جديد، حتى لو لم ينتبه الإنسان إلى الصلة بينهما.

فمن تعرض للخذلان قد يتردد في الثقة، ومن اعتاد النقد القاسي قد يخشى التجربة، ومن وجد التشجيع في بداياته قد يكون أكثر استعدادًا للمحاولة.

لكن الماضي لا يحدد مصيرنا بصورة مطلقة.

فالتجربة تؤثر فينا، لكنها لا تمنعنا من مراجعة أفكارنا وتغيير أساليبنا.

وهنا تظهر أهمية فهم المصفوفة الداخلية للإنسان؛ أي محاولة رؤية الصلات بين أفكاره ومشاعره وذكرياته وسلوكه، بدلًا من التعامل مع كل تصرف باعتباره أمرًا منفصلًا.

 

فقد لا يكون السؤال المفيد دائمًا: لماذا فعلت ذلك؟

بل قد يكون: ما الذي دفعني إلى هذا التصرف؟ وما الفكرة التي صدقتها؟ وما الذي أحتاج إلى فهمه حتى أختار بطريقة مختلفة؟

 

كيف نقترب من أنفسنا دون أن نخدعها؟

معرفة الذات لا تعني أن نبحث عن عيوبنا فقط، ولا أن نبرر لأنفسنا كل ما نفعله.

إنها محاولة لرؤية الصورة بقدر أكبر من الصدق.

أن نعترف بنقاط قوتنا دون غرور، وبنقاط ضعفنا دون جلد للذات.

أن نراجع قراراتنا، ونلاحظ المواقف التي يتكرر فيها سلوك معين، ونسأل أنفسنا عن الأسباب بدلًا من الاكتفاء بالنتائج.

ويمكن أن نبدأ بثلاثة أسئلة بسيطة:

– ما التصرف الذي يتكرر مني في المواقف الصعبة؟

– ما الذي أخشى الاعتراف به لنفسي أو للآخرين؟

– هل تتفق اختياراتي اليومية مع القيم التي أقول إنني أؤمن بها؟

ليست الإجابة عن هذه الأسئلة مسابقة لإثبات أننا أشخاص جيدون أو سيئون.

 

إنها فرصة لفهم أنفسنا بصورة أدق، حتى نستطيع الاختيار بوعي أكبر.

فمعرفة الذات لا تكتمل في يوم واحد، بل تتغير كلما اكتسبنا خبرة جديدة، أو راجعنا اعتقادًا قديمًا، أو امتلكنا الشجاعة للاعتراف بحقيقة لم نكن مستعدين لرؤيتها.

 

هل يمكن أن نكتشف أنفسنا من جديد؟

ربما نعتقد أحيانًا أن شخصيتنا أصبحت أمرًا محسومًا، وأننا نعرف حدود قدراتنا ونقاط ضعفنا إلى الأبد.

لكن الإنسان يستطيع أن يتعلم، وأن يغيّر بعض عاداته، وأن يراجع أحكامه، وأن يتعامل مع مخاوفه بطريقة مختلفة.

لا يعني ذلك أن نتخلى عن هويتنا، بل أن نميز بين ما يمثلنا حقًا، وما أصبح جزءًا من صورتنا عن أنفسنا لمجرد أننا اعتدنا عليه.

قد تكتشف أنك أكثر قدرة مما كنت تظن.

وقد تدرك أنك كنت تدافع عن قرار قديم لأنك لا تريد الاعتراف بخطئه.

وقد تكتشف أن بعض الصفات التي تفتخر بها تحتاج إلى توازن، وأن بعض نقاط ضعفك يمكن التعامل معها بدلًا من الاستسلام لها.

وهنا تصبح معرفة الذات بداية للتغيير، لا مجرد رحلة للتأمل.

فكلما فهمنا أنفسنا بصورة أفضل، أصبحنا أقدر على اختيار ما نريد أن نكونه، بدلًا من أن نظل أسرى لما اعتقدنا أننا عليه.

 

السؤال الذي نتركه مفتوحًا

بدأنا هذه الرحلة بالسؤال عن الشيء والعلاقة، ثم تأملنا دور السياق في تشكيل المعنى، والآن نكتشف أن الإنسان نفسه قد لا يكون واضحًا لنفسه بالقدر الذي يتخيله.

لكن هناك جانبًا آخر يستحق أن نتوقف أمامه.

فنحن لا نتذكر كل ما عشناه بالطريقة نفسها، ولا نستعيد الماضي كما لو كنا نشاهد تسجيلًا لا يتغير.

قد نتذكر موقفًا بوضوح، وننسى تفاصيل أخرى، وقد يتغير تفسيرنا لتجربة قديمة بعد مرور سنوات أو اكتساب خبرات جديدة.

فهل تتغير نظرتنا إلى الماضي لأننا أصبحنا أكثر فهمًا، أم لأن ذاكرتنا نفسها تعيد ترتيب ما عشناه؟

 

الحلقة القادمة: ذاكرة الإنسان… هل نتذكر الواقع أم نصنعه من جديد؟

 

—

 

د. أحمد الجندي — كاتب وباحث علمي

شبكة النايل الإخبارية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *