دور الصين في هدنة الطاقة بين روسيا وأوكرانيا
الرئيسية » الصين وهدنة الطاقة بين روسيا وأوكرانيا.. هل تستطيع بكين المساعدة في تأمين سلام دائم؟
أخبار العالمسياسة

الصين وهدنة الطاقة بين روسيا وأوكرانيا.. هل تستطيع بكين المساعدة في تأمين سلام دائم؟

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

الصين وهدنة الطاقة بين روسيا وأوكرانيا.. هل تستطيع بكين المساعدة في تأمين سلام دائم؟

 

تحليل الدكتورة/ نادية حلمي

 

الخبيرة المصرية في الشؤون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعي الحاكم في الصين والشؤون الآسيوية، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة بني سويف.

 

في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها على أسواق الطاقة العالمية، عاد ملف حماية المنشآت النفطية والكهربائية إلى واجهة المشهد السياسي، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 11 أكتوبر 2026، التوصل إلى ما وصفه بهدنة لوقف استهداف منشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا.

 

وأثار الإعلان تساؤلات بشأن مدى قدرة هذا التفاهم على الصمود، خصوصًا في ظل استمرار الخلافات بين موسكو وكييف حول شروط وقف الهجمات، وعدم وضوح جميع التفاصيل المتعلقة بآليات التنفيذ والرقابة. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مهم: ما موقف الصين من هذه الهدنة؟ وهل تستطيع بكين توظيف علاقاتها الاستراتيجية مع موسكو للمساعدة في تحويل التفاهم المؤقت إلى اتفاق أكثر استدامة؟

 

أولًا: إعلان هدنة الطاقة.. تفاهم يحتاج إلى ضمانات

 

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخول ما وصفه بـ«وقف إطلاق النار في قطاع الطاقة» بين روسيا وأوكرانيا حيز التنفيذ بصورة فورية، داعيًا الطرفين إلى الالتزام به وعدم استهداف المنشآت المرتبطة بالطاقة.

 

غير أن الإعلان لم يكن مصحوبًا بتفاصيل واضحة بشأن آليات التحقق من الالتزام أو الإجراءات المتفق عليها في حال وقوع خروقات. كما أبدى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحفظًا بشأن طريقة الإعلان، موضحًا أن الخبر كان جديدًا بالنسبة إليه، ومؤكدًا استعداد بلاده لوقف الهجمات على مصافي النفط الروسية إذا التزمت موسكو بوقف استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية.

 

وجاء ذلك في ظل خلافات بشأن الهجمات المتبادلة على البنية التحتية للطاقة، بالتزامن مع إعلان ترامب عن تفاهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتعلق بإمدادات الديزل إلى الأسواق الأمريكية والعالمية، في خطوة أثارت جدلًا بشأن انعكاساتها الاقتصادية والسياسية على مسار الحرب.

 

وتكشف هذه التطورات أن إعلان الهدنة لا يعني بالضرورة استقرارها؛ إذ يتوقف نجاحها على وضوح الالتزامات، والتكافؤ في تطبيقها، ووجود آلية موثوقة للتحقق من تنفيذها.

 

وقد أظهرت التقارير المنشورة في 12 أكتوبر استمرار اتهامات أوكرانيا لروسيا باستهداف منشآت للطاقة، فيما أفادت تقارير لاحقة بوقوع ضربات جديدة طالت منشآت حيوية. وهو ما يعكس هشاشة التفاهم المعلن، ويؤكد أن الطريق إلى هدنة مستقرة لا يزال محفوفًا بالتحديات.

 

ثانيًا: الموقف الصيني.. دعم جهود السلام والحوار

 

في أول تعليق رسمي صيني على إعلان الهدنة، أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، خلال المؤتمر الصحفي الدوري في 12 أكتوبر 2026، أن موقف بلادها من الأزمة الأوكرانية ثابت وواضح، وأن الحوار والمفاوضات يمثلان السبيل الممكن للخروج من الأزمة، مشيرة إلى دعم الصين جميع الجهود التي تسهم في تحقيق السلام.

 

ويعكس هذا التصريح تأييد بكين للمساعي الرامية إلى خفض التصعيد، لكنه لا يعني بالضرورة أن الصين شاركت في صياغة تفاهم هدنة الطاقة أو أنها أصبحت طرفًا مباشرًا في ترتيباته.

 

ومن ثم، ينبغي التمييز بين الموقف الصيني المعلن، القائم على دعم الحوار والتسوية السياسية، وبين أي دور تفاوضي مباشر يحتاج إلى أدلة أو تصريحات رسمية تؤكده.

 

وتكتسب حماية منشآت الطاقة أهمية خاصة في هذا السياق، نظرًا إلى ارتباطها المباشر بحياة المدنيين واستقرار الخدمات الأساسية والاقتصاد. كما أن استهداف المنشآت الحيوية قد يؤدي إلى تداعيات إنسانية واقتصادية تتجاوز حدود الدولتين، ولا سيما في ظل الترابط بين أسواق الوقود والطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

 

ثالثًا: كيف يمكن للصين أن تؤثر في مسار الأزمة؟

 

على الرغم من عدم ثبوت مشاركتها المباشرة في إعلان هدنة الطاقة، تمتلك الصين مجموعة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية التي يمكن أن تجعلها طرفًا مؤثرًا في جهود خفض التصعيد.

 

1- الدبلوماسية ودعم المفاوضات

 

تطرح الصين نفسها داعمًا للحلول السياسية، وتؤكد ضرورة تسوية الأزمة عبر الحوار والتفاوض. وقدمت بكين في فبراير 2023 وثيقة تتضمن 12 نقطة بشأن موقفها من التسوية السياسية للأزمة الأوكرانية، تضمنت الدعوة إلى احترام سيادة الدول، ووقف الأعمال العدائية، واستئناف محادثات السلام، ومعالجة التداعيات الإنسانية والاقتصادية للنزاع.

 

ويمكن للصين الاستفادة من هذا النهج لتشجيع الأطراف المعنية على التوصل إلى تفاهمات محددة بشأن حماية منشآت الطاقة، وتبادل المعلومات المتعلقة بالهجمات، ووضع ترتيبات تمنع تكرارها.

 

لكن نجاح هذه الجهود يتطلب قبول الأطراف المعنية بالمفاوضات، إلى جانب الانتقال من التصريحات العامة إلى التزامات عملية قابلة للتحقق.

 

2- العلاقات الاستراتيجية مع موسكو

 

تمثل العلاقات السياسية والاقتصادية الوثيقة بين الصين وروسيا أحد أهم عناصر التأثير المحتملة لبكين. فالتعاون التجاري والاستراتيجي بين البلدين يمنح الصين قنوات اتصال مهمة مع القيادة الروسية، يمكن توظيفها لتشجيع موسكو على دعم ترتيبات خفض التصعيد.

 

ومع ذلك، لا يعني التقارب الصيني الروسي أن بكين تستطيع فرض قراراتها على موسكو أو ضمان استجابتها لكل المطالب الدولية. فروسيا تتخذ قراراتها وفق حساباتها الأمنية والعسكرية والسياسية، بينما توازن الصين بين علاقتها بموسكو ومصالحها الاقتصادية وعلاقاتها الدولية الأوسع.

 

لذلك، قد يكون التأثير الصيني أكثر فاعلية من خلال الإقناع الدبلوماسي وتقديم الحوافز السياسية والاقتصادية، بدلًا من افتراض امتلاك بكين قدرة حاسمة على إنهاء الحرب.

 

3- حماية مصالح الطاقة وسلاسل الإمداد

 

ترتبط مصالح الصين الاقتصادية باستقرار الأسواق الدولية وتدفق الطاقة والسلع عبر سلاسل الإمداد العالمية. ومن شأن استمرار استهداف منشآت النفط والغاز والكهرباء أن يزيد تقلبات الأسعار، ويؤثر في تكاليف الإنتاج والنقل، ويعمّق حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.

 

ومن هذا المنطلق، تمتلك بكين مصلحة واضحة في دعم أي تفاهم جاد يحد من استهداف منشآت الطاقة ويقلل مخاطر التصعيد.

 

كما يمكن للصين أن تشجع على إنشاء آليات فنية لمراقبة الالتزام بالهدنة، وتبادل المعلومات بشأن الحوادث، وتحديد المنشآت المشمولة بالتفاهم، بما يقلل فرص الخلاف حول تفسير بنوده.

 

4- دعم الجهود الدولية دون احتكار مسار الوساطة

 

قد يتكامل الدور الصيني مع جهود الولايات المتحدة والدول الأوروبية والمنظمات الدولية، إذا توافرت أرضية مشتركة بشأن حماية المنشآت الحيوية وخفض التصعيد.

 

ولا يشترط أن تتولى بكين الوساطة منفردة حتى يكون لها تأثير؛ إذ يمكنها دعم تفاهمات تتوصل إليها الأطراف، أو المساهمة في تهيئة المناخ الدبلوماسي اللازم لاستمرارها.

 

لكن تحويل هذا التأثير المحتمل إلى دور ملموس يتطلب تنسيقًا واضحًا مع الأطراف المعنية، وتحديد طبيعة المساهمة الصينية، ومدى استعداد موسكو وكييف لقبولها.

 

رابعًا: هل تستطيع بكين ضمان هدنة دائمة؟

 

الإجابة تتوقف على طبيعة الدور الذي يمكن للصين القيام به، وعلى مدى استعداد روسيا وأوكرانيا للالتزام بتفاهمات متبادلة.

 

فالصين تستطيع دعم المساعي الدبلوماسية، وتشجيع الحوار، والاستفادة من علاقاتها مع موسكو، والمشاركة في جهود دولية لحماية منشآت الطاقة. لكنها لا تستطيع بمفردها ضمان وقف الهجمات أو فرض اتفاق سلام على طرفي النزاع.

 

وتحتاج أي هدنة قابلة للاستمرار إلى مجموعة من الشروط، في مقدمتها تحديد المنشآت المشمولة بالحظر، ووضع آلية مستقلة للتحقق من الالتزام، وتوفير قنوات اتصال سريعة لمعالجة الحوادث، والاتفاق على إجراءات واضحة للتعامل مع الخروقات.

 

كما أن استدامة الهدنة تتطلب ألا تقتصر على وقف استهداف منشآت الطاقة لفترة قصيرة، بل أن ترتبط بمسار تفاوضي أوسع يعالج أسباب الصراع ويحد من احتمالات تجدده.

 

وفي هذا الإطار، يمكن للصين أن تلعب دورًا مساعدًا إذا اقترن موقفها المعلن بتحركات دبلوماسية عملية، وباستعدادها للتعاون مع الأطراف الأخرى في وضع ضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ.

 

الخلاصة: تأثير صيني محتمل.. لكن السلام يحتاج إلى التزام متبادل

 

يكشف إعلان هدنة الطاقة بين روسيا وأوكرانيا عن أهمية حماية البنية التحتية الحيوية في أي مسار جاد لخفض التصعيد. كما يوضح أن التفاهمات المعلنة لا تتحول تلقائيًا إلى واقع مستقر ما لم تُدعَم بآليات تنفيذ ورقابة وضمانات متبادلة.

 

أما الصين، فيتمثل دورها المؤكد حتى الآن في دعم الجهود الرامية إلى السلام والحوار والتفاوض، بينما تبقى قدرتها على التأثير في قرارات موسكو وكييف مرتبطة بمدى استعداد الطرفين للاستجابة للمساعي الدبلوماسية.

 

ومن ثم، فإن بكين تستطيع أن تكون عنصرًا مساعدًا في تأمين هدنة أكثر استقرارًا، لكنها ليست ضامنًا منفردًا لها. فالسلام الدائم لا يتحقق بمجرد إعلان سياسي، وإنما يحتاج إلى إرادة متبادلة، والتزامات واضحة، وآليات تضمن احترامها على أرض الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *