حين تصير الهوية وجعًا.. بين ذاكرة المكان وكرامة الإنسان - النايل نيوز
الرئيسية » حين تصير الهوية وجعًا.. بين ذاكرة المكان وكرامة الإنسان
منوعات

حين تصير الهوية وجعًا.. بين ذاكرة المكان وكرامة الإنسان

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

حين تصير الهوية وجعا

بقلم عبد المجيد عبوبي

في عالم صار قريبًا منا عبر الشاشات، والطرقات، والأسواق، يبدو أن كل شيء تغيّر: الملابس، والطعام، والموسيقى، وحتى طريقة الحديث.

لكن سؤالًا قديمًا ما زال يقيم في قلب الإنسان: من أنا؟ وإلى أي أرض أنتمي؟

قد يبدو هذا السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة يحمل حياة الإنسان كلها. فالهوية ليست شعارًا نرفعه في المناسبات، ولا لباسًا نرتديه يومًا ونخلعه في يوم آخر.

الهوية هي الذاكرة، والأهل، والأرض، واللغة، والكرامة.

مدينة بلا ذاكرة

نحن نعيش اليوم في مدن واسعة، مليئة بالأضواء والسيارات والمحلات.

لكن أحيانًا نشعر أن هذه المدن كبيرة جدًا، وباردة جدًا. يعيش الناس في مبنى واحد، ولا يعرف بعضهم بعضًا.

يمشون في الشارع، ولا يسألون بعضهم: كيف حالك؟
هنا يبدأ الضياع.

ليس ضياع الطريق، بل ضياع الإنسان داخل مدينته. يملك هاتفًا يربطه بالعالم، لكنه قد لا يجد شخصًا واحدًا يسأله عن حاله.

يملك بيتًا، لكنه قد لا يشعر أنه في بيته.
لأن البيت ليس جدرانًا فقط؛ البيت هو الأم، والجار، ورائحة الطعام، وصوت الأهل، وذاكرة الطفولة.

الهوية ليست شعارا

الهوية هي أن تعرف من أين جئت. هي اسم جدك الذي يُذكر على مائدة العشاء، وقصة جدتك التي تُروى مرارًا،

والأغنية التي كانت تسمعها في طفولتك، والطريق الذي يأخذك إلى بيت جده.

الهوية هي اللغة التي نحكي بها أحزاننا، والأرض التي نعرف رائحتها بعد الغياب، والناس الذين يشعروننا أننا لسنا غرباء.

ولهذا لا يمكن أن نقل إن الهوية مجرد كلمة. الهوية شعور. شعور بأن لك مكانًا في هذا العالم، وأن هناك من يعرفك، ويحبك، ويحتضنك حين تتعب.

حين تصير الهوية وجعا

لكن الهوية ليست دائمًا فرحًا. قد تصير أحيانًا وجعًا.
كم من إنسان سُئل: من أنت؟ ثم لم يُصغَ إلى جوابه.

كم من شاب حمل اسم منطقته أو لغته أو أصله، فوجده سببًا للنبذ لا للفخر.

كم من إنسان شعر أن المجتمع يضعه في إطار ضيق، لا يترك له أن يكون إنسانًا أولًا.

هنا تصير الهوية قيدًا. لا لأن الإنسان يكره جذوره، بل لأن بعض الناس يحولون الجذور إلى سلاح ضدّه.

فيصبح الانتماء سببًا للإقصاء، وتصبح اللهجة أو العائلة أو المنطقة حاجزًا بين الإنسان والاعتراف به.

والإنسان لا يريد أن يُحاسب على ما لم يختره. لا يريد أن يُسأل عن أصله قبل أن يُسأل عن إنسانيته.

يريد أن يُرى كما هو: إنسانًا لديه قلب، وأحلام، وكرامة.

الهوية هي الكرامة والعدالة

الهوية الحقيقية لا تكتمل دون كرامة.

فالإنسان الذي لا يجد عملًا يليق به، ولا عدالة تحميه، ولا بيتًا يأويه، ولا مجتمعًا يحترمه، قد يشعر أن هويته مجرد كلمة لا معنى لها.

لأن الهوية ليست أن نقول: نحن أبناء هذه الأرض، ثم نترك أبناء هذه الأرض يعيشون بلا حقوق ولا أمل.

الهوية هي أن يجد الإنسان في بلده مكانًا له. أن يعمل بكرامة، وأن يعيش بأمان، وأن يشعر أن الدولة تراه، والمجتمع يسمعه، والقانون يحميه.

أما الإنسان الذي يشعر بالظلم بين أهله، فقد يبحث عن مكان آخر. لا لأنه يكره أرضه، بل لأنه يريد أن يعيش بكرامة.

فالهجرة ليست دائمًا حبًا للغربة؛ أحيانًا هي صرخة صامتة من إنسان لم يجد عدالة في وطنه.

الأدب يعرف هذا الوجع

الأدب العربي لم يهرب من هذا السؤال. بل جعله مادة صادقة للكتابة.

في روايات نجيب محفوظ نجد الإنسان المصري يبحث عن نفسه بين الأزقة والأسرة والسياسة والدين.

وفي روايات الطيب صالح نجد الإنسان يعود إلى قرية وذاكرة وأرض، ثم يكتشف أن العودة إلى الوطن ليست سهلة دائمًا.

أما محمد شكري، فقد كتب عن الإنسان المهمّش، عن الفقر والشارع والجسد، عن إنسان يبحث عن مكان له في عالم لا يسمعه.

وحديثًا، يقدّم الرياحي في روايته «الصخرة» علاقة حب في زمن وباء كورونا، حيث يختبر الإنسان الخوف والوحدة والحاجة إلى الآخر.

وهكذا يثبت الفن أن الهوية ليست موضوعًا جافًا، بل دموع وأفراح وحنين وغربة. الرواية والشعر والغناء كلها محاولات لإعادة الإنسان إلى نفسه.

الهوية ليست سجنا

لكن يجب أن نحذر من شيء آخر: أن نحول الهوية إلى سجن.

أن نغلق أبوابنا في وجه الآخر، ونعتبر كل من يختلف عنا غريبًا أو عدوًا. الهوية الحقيقية لا تخاف من الآخر، لأنها واثقة من نفسها.

مجتمعاتنا العربية والمغاربية غنية بالتنوع:

عرب وأمازيغ، وإفريقيون ومتوسطيون، مسلمون ومسيحيون ويهود في طبقات من الذاكرة المشتركة. هذا التنوع ليس ضعفًا، بل ثراء.

فالإنسان لا يفقد هويته لأنه تعلم لغة أخرى أو أحب موسيقى أخرى. بل يفقد نفسه حين ينسى أن له أرضًا وأهلًا وقصة.

ما الذي يبقى؟

قد تتغير الأشياء من حولنا، لكن ما يبقى هو حاجتنا إلى الانتماء:

إلى أرض تحمل ذكرياتنا، وإلى أسرة تحمينا، وإلى أصدقاء يعرفوننا، وإلى وطن يمنحنا الكرامة.

فالهوية ليست عبئًا من الماضي، بل هي الجواب عن سؤال قديم: من أنا؟

ومتى فقد الإنسان هذا الجواب، صار قادرًا على العيش في أي مكان، لكنه عاجز عن أن يسكن أي مكان.

السؤال الأخير

ربما لم يمت الإنسان داخل المدينة الحديثة، لكنه أصبح نائمًا داخلها؛ نائمًا عن ذاكرته، وعن جاره، وعن لغته، وعن حاجته إلى الآخر.

والسؤال الذي يبقى: هل نريد إنسانًا يعيش في عالم متشابه المظاهر، لكنه غريب عن نفسه؟ أم إنسانًا يحمل هويته بثقة، وينفتح على العالم دون أن ينسى من يكون؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *