أكتوبر... حين استعاد الوطن كرامته، وكتب التاريخ بدماء الأبطال
الرئيسية » أكتوبر… حين استعاد الوطن كرامته، وكتب التاريخ بدماء الأبطال
مقالات

أكتوبر… حين استعاد الوطن كرامته، وكتب التاريخ بدماء الأبطال

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

أكتوبر… حين استعاد الوطن كرامته، وكتب التاريخ بدماء الأبطال

بقلم: نجوان صفي الدين

 

ليست كل الانتصارات مجرد معارك تنتهي، وليست كل الحروب صفحات تُطوى بانتهاء صوت المدافع؛

فهناك انتصارات تظل حية في وجدان الأوطان، لأنها لم تسترد أرضًا فحسب، بل أعادت صياغة معنى الكرامة والعزة والشرف،

وأثبتت أن الشعوب التي تعرف قيمة أرضها لا تعرف أبداً المستحيل.

في السادس من أكتوبر، لا نستعيد ذكرى حرب مضت، بل نستعيد لحظة استثنائية من تاريخ أمة قررت ألا تنحني أمام الهزيمة، وألا تسمح للانكسار بأن يصبح قدرًا،

فكان العبور أكبر من مجرد عبور لقناة، وأعمق من مجرد اقتحام لخط دفاع؛”خط بارليف الذي ظنوه حصنًا لا يُقهر”

لقد كان عبورًا قاسياً وحاسماً من مرارة الانكسار إلى اتساع الأمل والانتصار.

في أكتوبر، لم تكن البطولة حكرًا على من حملوا السلاح فقط، بل كانت حكاية وطن بأكمله؛ جندي ترك خلفه بيتًا وأما وزوجة وأطفالًا،

وخرج وهو يعلم أن الطريق قد لا يعيده، لكنه آمن أن هناك أشياء في الحياة تستحق أن نبذل من أجلها أعمارنا.

أم ودعت ابنها بقلب يرتجف ودعاء لا ينقطع، وزوجة أخفت دموعها خلف ابتسامة، وأب انتظر عودة ابنه وهو يدرك أن الوطن حين ينادي لا يتأخر عنه المُخلصين.

إن أعظم ما في نصر أكتوبر ليس فقط ما تحقق على أرض المعركة،

وإنما تلك الإرادة والعزيمة التي سبقت النصر، ذلك الإيمان الذي لم تسمح بهزيمة عابرة أن تنتزع من المصريين ثقتهم بأنفسهم.

لقد علمنا أكتوبر أن الهزيمة ليست نهاية الطريق، وأن الانكسار لا يصبح قدرًا إلا حين نستسلم له،

وأن قوة الأوطان لا تُقاس فقط بما تمتلكه من سلاح، بل بما تمتلكه من إرادة قوية وما يسكن قلوب أبنائها من انتماء واستعداد للتضحية.

لكن السؤال الذي تفرضه علينا هذه الذكرى، ونحن نقف أمام عظمة الماضي:

ماذا فعلنا بالقيمة التي تركها لنا الأبطال؟

وهل أدركنا فعلاً أن الحفاظ على الوطن لا ينتهي بانتهاء الحرب؟

إن الوطن لا يحتاج إلى أبطاله في ساحات القتال وحدها فحسب، بل يحتاج إليهم في ميادين العمل،

في إتقان المسؤولية،في صحوة الضمير،وفي حماية مقدراته.

و احترام القانون،وسيادة الدولة،في مواجهة الفساد والتصدى له، وفي بناء الإنسان، وفي الحفاظ على وحدته وتماسك نسيجه الوطني.

ليس من الوفاء لشهداء أكتوبر أن نكتفي بترديد أسماء الأبطال،

وننسى أن الرسالة التي دفعوا حياتهم ثمنًا لها هي أن يبقى هذا الوطن عزيزًا، قويًا، قادرًا على النهوض والتقدم.

إن الأجيال التي لم تعش لحظة العبور مطالبة بأن تفهم أن الحرية والكرامة والاستقرار ليست كلمات وشعارات تُقال في المناسبات،

بل مسؤوليات تُمارس كل يوم، وأن التاريخ لا يمنح أمجاده لمن يكتفون بالاحتفال به فقط،

وإنما لمن يصنعون امتدادًا حقيقيًا لتضحياته والوقوف بجانبه.

 

سلام على من عبروا ولم يعودوا، وسلام على من عادوا يحملون في أجسادهم آثار المعركة وفي أرواحهم مجد الوطن،

وسلام على كل أم احتسبت ابنها شهيدًا، وعلى كل قلبٍ دفع من عمره ثمنًا لكي تبقى مصر.

 

سيظل السادس من أكتوبر شاهدًا على أن مصر قد تنكسر في معركة، لكنها لا تستسلم للهزيمة،

وأن الشعوب العظيمة قد تتألم، لكنها تعرف دائمًا كيف تنهض.

فأكتوبر لم يكن يومًا انتصر فيه جيش فحسب، بل كان يومًا أثبت فيه شعب أن كرامة الأوطان لا تُسترد بالأمنيات، وإنما بالإرادة والعزيمة والتضحية والعمل.

 

رحم الله شهداء مصر الأبرار، وحفظ الله مصر أرضًا وشعبًا وجيشًا،ورئيساً عزيزاً وجعل رايتها دائمًا مرفوعة بالعزة والكرامة والنصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *