سموتريتش وجنين: تصريحات انتخابية أم واقع قادم؟
بقلم: مناضل حنني
تأتي تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الأخيرة بشأن الضفة الغربية في توقيت شديد الحساسية، قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد عبارات انتخابية عابرة.
ففي 27 سبتمبر، دعا سموتريتش، خلال مقابلة مع «Ynet»، إلى الذهاب إلى حرب في الضفة الغربية، وتنفيذ ما جرى في قطاع غزة، وصولًا إلى تفكيك السلطة الفلسطينية، التي وصفها بأنها «سلطة إرهابية». كما تحدث عن ضرورة القضاء على البنية المسلحة ومصادرة الأسلحة ومنع وجود البنية التحتية التي يصفها بالإرهابية.
وهنا تصبح جنين أكثر من مجرد اسم ورد في الخطاب السياسي الإسرائيلي؛ لأنها كانت بالفعل مركزًا لعمليات عسكرية واسعة في شمال الضفة الغربية، وما رافقها من تدمير ونزوح وقيود على الحركة والعودة.
بين الخطاب الانتخابي والواقع الميداني
لا شك أن التوقيت الانتخابي مهم في فهم تصريحات سموتريتش.
فالانتخابات الإسرائيلية مقررة رسميًا في 27 أكتوبر 2026، ويقود سموتريتش حزب «الصهيونية الدينية»، ولذلك فإن رفع سقف الخطاب في قضايا الأمن والاستيطان والضفة الغربية يمكن أن يخاطب جمهورًا يمينيًا يعتبر هذه الملفات جزءًا أساسيًا من أولوياته السياسية.
لكن وجود العامل الانتخابي لا يعني تلقائيًا أن التصريحات بلا مضمون سياسي.
فسموتريتش لم يكتفِ بالحديث عن عملية عسكرية محدودة، بل ربط بين الضفة الغربية ونموذج العمليات الإسرائيلية في غزة، وتحدث صراحة عن تفكيك السلطة الفلسطينية. وهذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها مواقف تتعلق بإضعاف السلطة أو تغيير طبيعة السيطرة الإسرائيلية على الضفة.
وفي فبراير 2026، نقلت «جيروزاليم بوست» عنه حديثًا عن هدف إلغاء اتفاقات أوسلو وتفكيك السلطة الفلسطينية في إطار ما وصفه بأهداف الولاية الحكومية المقبلة.
وبالتالي، فإن السياق الانتخابي قد يفسر توقيت الخطاب وارتفاع حدته، لكنه لا يكفي وحده لتفسير مضمونه.
جنين.. عندما يتحول الخطاب إلى واقع ميداني
تكمن أهمية جنين في أن بعض الوقائع التي يتحدث عنها سموتريتش لا تبدأ من التصريحات الأخيرة.
ففي 21 يناير 2025 بدأت عملية عسكرية إسرائيلية واسعة في جنين، ثم امتدت إلى مخيمات ومناطق أخرى في شمال الضفة الغربية. ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «OCHA»، أدت العمليات إلى نزوح واسع، وتدمير منازل وبنية تحتية، وفرض قيود على الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية.
وفي سبتمبر 2026، قال تقرير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن القوات الإسرائيلية قامت خلال يناير وفبراير 2025 بإخلاء سكان مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم، وإن سكانها ظلوا ممنوعين من العودة، كما وثق التقرير أضرارًا واسعة في البنية العمرانية لمخيم جنين.
وهنا يجب التمييز بين مفاهيم مختلفة.
فالإخلاء المؤقت أثناء عملية عسكرية، والنزوح طويل الأمد، والتهجير الدائم، وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي، ليست مصطلحات متطابقة من الناحية القانونية أو السياسية.
ولهذا فإن القول إن ما يجري في جنين يمثل بالفعل «إعادة تشكيل نهائية» للضفة يحتاج إلى أدلة مستقلة ومحددة، وليس إلى الاستناد إلى التصريحات وحدها.
السلطة الفلسطينية في قلب المعادلة
ربما تكون النقطة الأكثر دلالة في تصريحات سموتريتش هي حديثه عن تفكيك السلطة الفلسطينية.
فإذا انتقل الخطاب من مواجهة جماعات مسلحة إلى إنهاء أو تفكيك البنية السياسية والإدارية القائمة في أجزاء من الضفة الغربية، فإن السؤال يتجاوز الجانب العسكري:
من يدير المدن الفلسطينية بعد ذلك؟ ومن يتحمل مسؤولية الأمن والخدمات والتعليم والصحة والحياة اليومية؟
هذه الأسئلة لا تقدم تصريحات سموتريتش الأخيرة إجابات تفصيلية عنها، وإنما تطرح هدفًا سياسيًا يتمثل في إضعاف السلطة أو تفكيكها. ومن هنا ينبغي الفصل بين ما قاله الوزير صراحة، وبين النتائج المحتملة التي قد تترتب على تنفيذ هذا التصور.
فالحديث عن تفكيك السلطة الفلسطينية ليس مجرد تغيير في اسم جهة إدارية، بل يمكن أن يفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل ترتيبات الحكم في الضفة الغربية، والعلاقة بين إسرائيل والمؤسسات الفلسطينية، ومستقبل اتفاقات أوسلو.
هل جنين نموذج أم مؤشر؟
الخطأ في التعامل مع تصريحات سموتريتش باعتبارها «انتخابية فقط» أنها قد تتجاهل وقائع حدثت بالفعل في شمال الضفة.
لكن الخطأ المقابل هو اعتبار كل تصريح سياسي إعلانًا عن قرار حكومي أو عسكري تم اتخاذه بالفعل.
السياسة لا تتحول دائمًا إلى قرار واحد كبير.
أحيانًا تتشكل تدريجيًا من خلال مجموعة من الإجراءات: مستوطنة جديدة، طريق مغلق، منطقة عسكرية، هدم منزل، إخلاء سكان، قيود على الحركة، أو تغيير في صلاحيات الإدارة.
ومع تراكم هذه الإجراءات يمكن أن يتغير الواقع على الأرض قبل أن يصدر إعلان سياسي شامل.
وفي حالة جنين، توجد بالفعل وقائع موثقة عن عمليات عسكرية، ونزوح واسع، وتدمير للبنية التحتية، وقيود على العودة. لكن تحويل هذه الوقائع إلى دليل قاطع على مشروع مكتمل لإعادة تشكيل الضفة كلها يحتاج إلى إثبات إضافي.
لذلك يمكن النظر إلى جنين باعتبارها مؤشرًا مهمًا على اتجاه محتمل، لا باعتبارها دليلًا نهائيًا على أن مستقبل الضفة قد حُسم.
ماذا يريد سموتريتش من الضفة؟
إذا جمعنا بين تصريحاته الأخيرة ومواقفه السابقة، يمكن رصد ثلاثة محاور أساسية في خطابه السياسي:
أولًا: إضعاف أو تفكيك السلطة الفلسطينية.
ثانيًا: توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.
ثالثًا: تعزيز الاستيطان ورفض قيام دولة فلسطينية مستقلة.
هذه المحاور ظهرت في مواقف وتصريحات سابقة لسموتريتش، كما ظهرت في خطابه الانتخابي والسياسي خلال السنوات الأخيرة.
لكن وجود هذه الأهداف في خطاب وزير إسرائيلي لا يعني تلقائيًا أنها أصبحت سياسة رسمية مكتملة أو أن تنفيذها مضمون.
فبين الخطاب السياسي والتنفيذ الفعلي توجد مؤسسات حكومية وعسكرية، وحسابات داخلية، وضغوط دولية، وتوازنات ائتلافية، وعوامل أخرى يمكن أن تؤثر في حجم أي تحرك واتجاهه.
وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا من السؤال: ماذا يريد سموتريتش؟
السؤال الأهم هو:
إلى أي مدى يستطيع سموتريتش تحويل ما يقوله إلى سياسة دولة؟
الانتخابات الإسرائيلية.. عامل مهم وليس تفسيرًا وحيدًا
لا يمكن تجاهل أن تصريحات سموتريتش جاءت قبل أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية.
لكن الربط بين التصريحات والانتخابات يجب أن يبقى في إطار التحليل السياسي، لا أن يتحول إلى إثبات لنوايا انتخابية لا يمكن قياسها من تصريح واحد.
فالخطاب الانتخابي قد يدفع السياسي إلى رفع سقف مواقفه، لكنه قد يكشف أيضًا عن برنامج سياسي يؤمن به صاحبه منذ سنوات.
وفي حالة سموتريتش، فإن وجود سجل سابق من المواقف المتعلقة بالاستيطان والضم وإضعاف السلطة الفلسطينية يجعل من الصعب اختزال تصريحاته الأخيرة في كونها «مزايدة انتخابية» فقط.
وماذا عن الجانب الفلسطيني؟
على الجانب الفلسطيني، أعلنت السلطة الفلسطينية عن إجراء انتخابات تشريعية في 28 نوفمبر 2026، فيما حُددت انتخابات رئاسية لعام 2027 من دون موعد نهائي معلن لها حتى الآن. وفي الوقت نفسه، توجد شكوك بشأن قدرة الانتخابات التشريعية على المضي قدمًا بسبب الانقسام السياسي والظروف الميدانية والقيود الإسرائيلية.
وهذا يضيف عنصرًا جديدًا إلى المشهد.
فالنقاش الفلسطيني لا يتعلق فقط بشكل السلطة أو بالانتخابات، وإنما بقدرة المؤسسات الفلسطينية على العمل في ظل واقع ميداني يتغير بصورة مستمرة.
ومن هنا يصبح السؤال الفلسطيني أوسع:
هل تستطيع السياسة الفلسطينية التأثير في اتجاه الواقع، أم تظل في موقع التعامل مع نتائج ما يحدث على الأرض؟
بين جنين ومستقبل الضفة
تصريحات سموتريتش الأخيرة تحمل وظيفة انتخابية محتملة بحكم توقيتها، لكنها في الوقت نفسه تنسجم مع مواقف سياسية سبق أن عبّر عنها الرجل.
وفي المقابل، فإن الواقع في جنين وشمال الضفة يقدم عناصر ميدانية تجعل التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها مجرد خطاب انتخابي قراءة غير مكتملة.
لكن ذلك لا يعني أن ما يطرحه سموتريتش أصبح سياسة إسرائيلية شاملة ونهائية.
الفارق بين المشروع السياسي والقرار الرسمي والتنفيذ الميداني يظل ضروريًا في قراءة المشهد.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
هل تصريحات سموتريتش انتخابية؟
بل السؤال الأهم:
ما الذي يمكن أن يبقى من هذه التصريحات إذا تحولت من خطاب سياسي إلى سياسة رسمية؟
أما جنين، فتبقى في قلب الاختبار؛ لأنها تقدم صورة عن مدى إمكانية انتقال الخطاب من مستوى التصريحات إلى إجراءات ميدانية طويلة الأمد، بينما يظل مستقبل الضفة الغربية مرتبطًا بما ستفعله الحكومة الإسرائيلية، وما تستطيع المؤسسات الفلسطينية مواجهته، وما يمكن أن تفرضه التطورات الإقليمية والدولية.
وفي النهاية، فإن الانتخابات قد تكون المسرح الذي ترتفع عليه حدة الخطاب، لكن الأرض هي التي تكشف حدود هذا الخطاب، ومدى تحوله إلى واقع.

