حين تتكلم القوة باسم القانون… أين تقف الأمم المتحدة؟ - النايل نيوز
الرئيسية » حين تتكلم القوة باسم القانون… أين تقف الأمم المتحدة؟
مقالات

حين تتكلم القوة باسم القانون… أين تقف الأمم المتحدة؟

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

حين تتكلم القوة باسم القانون… أين تقف الأمم المتحدة؟

بقلم: عبد المجيد عبوبي

 

لم تولد فكرة اجتماع الأمم حول مائدة واحدة من فراغ، ولم يكن الإنسان في حاجة إلى اختراع الأخلاق السياسية بعد أن عرف الحروب. فمنذ القدم، سعت المجتمعات إلى صناعة ميزان يحول دون أن يكون القوي صاحب الحق لمجرد قوته. وفي الحضارة الإسلامية برزت الشورى قيمةً في تدبير الشأن العام، تقوم على التشاور وتحمل المسؤولية وعدم اختزال القرار في إرادة الفرد.

 

لذلك فإن الاجتماع على كلمة، والاحتكام إلى مبدأ، والبحث عن صيغة تمنع تغول القوة، ليست غريبة عن تراثنا الحضاري.

 

ثم جاء العصر الحديث، بحروبه العالمية ومآسيه، ليؤسس منظومة دولية جديدة، كان أبرز تجلياتها إنشاء الأمم المتحدة سنة 1945؛ مؤسسة قامت على أن العالم لا يمكن أن يبقى رهينة منطق القوة وحده، وأن الدول، كبيرة كانت أم صغيرة، تحتاج إلى قواعد مشتركة تحفظ السلم وتنظم العلاقات الدولية.

 

لكن السؤال اليوم ليس: هل ما زالت الأمم المتحدة موجودة؟ بل:

 

هل ما زالت مبادئها قادرة على الوقوف أمام الدول التي تملك القوة؟

 

فالعالم يشهد مفارقة مؤلمة؛ دول قوية تتحدث عن القانون الدولي والسيادة وحقوق الإنسان، لكنها تتعامل مع هذه المبادئ أحيانًا وفق حسابات القوة والمصلحة. وهنا لا يكمن الخلل في النص وحده، بل في المسافة بين النص وتطبيقه.

 

وفي الشرق الأوسط، تبدو هذه المسافة أكثر وضوحًا. فإسرائيل تواجه، بحسب مواقف وتصريحات أممية ودولية متتالية، انتقادات واسعة بشأن أفعالها في غزة والمنطقة، بينما يستمر الجدل السياسي والقانوني حول احترام قواعد القانون الدولي. وقد شهد خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي خروج عشرات الوفود احتجاجًا على مواقفه، في مشهد يعكس عمق الانقسام الدولي.

 

لكن المسألة لا تتعلق بإسرائيل وحدها. فالولايات المتحدة، بوصفها قوة كبرى وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن، تمثل جانبًا آخر من المفارقة؛ فهي تنتقد بعض المؤسسات الدولية، وتستخدم في الوقت نفسه ثقلها السياسي والقانوني والعسكري للدفاع عن مصالحها وحلفائها.

 

وينبغي هنا أن نكون دقيقين: المشكلة ليست أن للدول القوية مصالح، بل أن يصبح القانون قويًا أمام الضعيف وضعيفًا أمام القوي. عندها يتحول القانون إلى لغة تستخدمها الدول حين تخدم مصالحها.

 

وهذه هي المعضلة التي تواجه الأمم المتحدة. فالمؤسسة التي يفترض أن تقرب المسافات بين الدول أصبحت تعكس اختلال ميزان القوة العالمي. خمس دول دائمة العضوية في مجلس الأمن تمتلك حق النقض، بينما تطالب دول كثيرة بإصلاح النظام ومنح مناطق مهمشة، ومنها أفريقيا، تمثيلًا أكبر.

 

ومع انتهاء ولاية أنطونيو غوتيريش نهاية سنة 2026، بدأت معركة اختيار الأمين العام المقبل. وفي آخر استطلاع غير رسمي لمجلس الأمن، تصدرت مرشحة كوستاريكا ريبيكا غرينسبان الجولة الرابعة، من دون حسم السباق، إذ لا يزال التوافق داخل المجلس، بما في ذلك موافقة القوى الخمس الدائمة، ضروريًا.

 

وهنا تصبح شخصية الأمين العام المقبل أكبر من مجرد اسم جديد. فالعالم لا يحتاج فقط إلى من يدير الاجتماعات ويصدر البيانات، بل إلى صوت يقول للقوي والضعيف بالمسافة الأخلاقية نفسها:

 

هناك قانون واحد.

 

وهناك إنسان واحد، سواء عاش في غزة أو أوكرانيا أو السودان أو ميانمار أو أي بقعة أخرى.

 

لقد كانت الشورى تذكيرًا بأن القرار ليس ملكًا مطلقًا لمن يملكه، وأن المسؤولية تسبق السلطة. واليوم، وبعد أكثر من ثمانية عقود على تأسيس الأمم المتحدة، يحتاج العالم إلى استعادة هذه الروح بلغة العصر:

 

التشاور بدل الإملاء، القانون بدل القوة، والإنسان بدل الحسابات الجيوسياسية.

 

فالأمم المتحدة لن تفقد معناها لأن الدول تختلف؛ فهي ستختلف دائمًا. لكنها تفقد معناها عندما يشعر الإنسان بأن هناك قانونًا عالميًا يُكتب للجميع، ثم يُفسَّر وفق قوة من يقف خلفه.

 

وحينها لا يعود السؤال: من سيكون الأمين العام المقبل؟ بل:

 

هل تستطيع الأمم المتحدة استعادة ثقة العالم قبل أن يفقد العالم ثقته في فكرة القانون الدولي نفسها؟

 

ربما هنا تبدأ المعركة الحقيقية.

 

لا على كرسي الأمين العام…

 

بل على كرامة المبدأ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *