اغتيال العلماء العرب.. بين الوقائع الموثقة وروايات استهداف العقول
الرئيسية » العلماء العرب بين الاغتيال والاختفاء والغموض.. وقائع موثقة وروايات لم تُحسم
مقالات

العلماء العرب بين الاغتيال والاختفاء والغموض.. وقائع موثقة وروايات لم تُحسم

كتب المقال بواسطة أ/
وقت القراءة: 1 دقيقةفيسبوكإكس

العلماء العرب بين الاغتيال والاختفاء والغموض.. وقائع موثقة وروايات لم تُحسم

 

المؤرخ العسكري د. أحمد علي عطية الله

 

على مدار عقود طويلة، ارتبطت أسماء عدد من العلماء والمفكرين العرب بحوادث وفاة أو اختفاء غامضة،

خاصة ممن عملوا في مجالات حساسة مثل الفيزياء النووية والهندسة والطاقة والعلوم الاستراتيجية.

 

وبينما أصبحت بعض هذه الوقائع جزءًا من التاريخ الموثق،

بقيت وقائع أخرى أسيرة التحقيقات غير المكتملة والروايات المتداولة والاتهامات التي لم تصل إلى مستوى الدليل القضائي القاطع.

 

وهنا يبرز السؤال الأهم:

هل كانت بعض هذه الحوادث مجرد مصادفات مأساوية، أم أن صراع الدول على المعرفة والتكنولوجيا لعب دورًا في استهداف بعض العقول العربية؟

 

سميرة موسى.. بداية الحكاية

 

في الخامس من أغسطس عام 1952، رحلت العالمة المصرية سميرة موسى في حادث سيارة بالولايات المتحدة،

بعد رحلة علمية ارتبطت بأبحاثها في مجال الإشعاع والعلوم النووية.

 

كانت سميرة موسى من أبرز العالمات المصريات في ذلك الوقت، ودرست في الولايات المتحدة

وأجرت أبحاثًا في معامل جامعة سانت لويس، كما تلقت عروضًا للبقاء هناك، لكنها اختارت العودة إلى مصر.

 

وتقول مصادر مصرية رسمية إن موسى استجابت قبل عودتها لدعوة لزيارة معامل نووية في كاليفورنيا،

ثم تعرضت السيارة التي كانت تستقلها لحادث أودى بحياتها.

 

ومنذ ذلك الوقت، ظهرت روايات تشكك في كون الحادث عرضيًا، وربطت بينها وبين جهاز الموساد الإسرائيلي،

إلا أن هذه الفرضية لم تثبت بصورة قاطعة في الأدلة المتاحة،

وظلت وفاة سميرة موسى واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ العلماء المصريين.

 

سمير نجيب.. عالم شاب ورحيل مفاجئ

 

وفي عام 1967، توفي العالم المصري سمير نجيب في حادث سيارة بالولايات المتحدة، بعدما كان قد برز في مجال الفيزياء النووية خلال بعثته العلمية.

 

وتشير الهيئة العامة للاستعلامات إلى أنه كان من الجيل الشاب من علماء الذرة العرب، وأنه أظهر تفوقًا علميًا لافتًا خلال دراسته وأبحاثه في الولايات المتحدة.

 

أما الروايات التي تتحدث عن تعرضه لضغوط للبقاء في الولايات المتحدة، ثم وفاته في حادث سيارة أثناء استعداده للعودة إلى مصر،

فقد ساهمت في ظهور فرضية الاغتيال، لكنها تحتاج إلى التمييز بوضوح بين ما هو موثق في السجلات وما ورد في الروايات الصحفية المتداولة.

 

نبيل القليني.. عالم اختفى ولم يعد

 

ومن أكثر الملفات غموضًا قصة العالم المصري نبيل القليني، الذي اختفى عام 1975 بعد خروجه من مسكنه في براغ عقب مكالمة هاتفية.

 

وتشير المصادر التي تناولت قصته إلى أنه كان قد أُوفد إلى تشيكوسلوفاكيا لدراسة علوم الذرة،

وحصل على الدكتوراه من جامعة براغ، قبل أن يختفي دون أن يُعرف مصيره حتى الآن.

 

لكن غياب المعلومات النهائية حول مصيره جعل القضية مجالًا واسعًا للتكهنات،

ومن بينها اتهامات للموساد، دون وجود دليل علني حاسم يكفي لإسناد المسؤولية إليه بصورة قطعية.

 

يحيى المشد.. الواقعة الأكثر وضوحًا

 

في يونيو عام 1980، قُتل العالم النووي المصري الدكتور يحيى المشد في العاصمة الفرنسية باريس، أثناء عمله ضمن البرنامج النووي العراقي.

 

وكان المشد من أبرز علماء الهندسة النووية المصريين، وسبق له العمل في هيئة الطاقة الذرية المصرية،

كما انتقل للعمل في العراق بعد تجميد البرنامج النووي المصري.

وتذكر الهيئة العامة للاستعلامات أنه كان مرتبطًا بالبرنامج النووي العراقي وأنه توفي اغتيالًا في باريس في 13 يونيو 1980.

 

وقد ارتبط اسم الموساد بهذه العملية في عدد من المصادر والدراسات والتغطيات الصحفية،

بينما ظلت تفاصيل التنفيذ والمسؤولية القانونية المباشرة محل نقاش تاريخي وسياسي.

 

ولهذا تظل قضية المشد من أكثر الملفات التي يُستشهد بها عند الحديث عن استهداف العلماء العرب العاملين في المجالات النووية.

 

سعيد السيد بدير.. عالم في ظروف غامضة

 

وفي عام 1989، توفي العالم المصري سعيد السيد بدير، المتخصص في الاتصالات بالأقمار الصناعية والمركبات الفضائية.

 

وتوثق بوابة «عاش هنا» التابعة للجهاز القومي للتنسيق الحضاري سيرته العلمية والعسكرية،

وتشير إلى أنه كان ضابطًا بالقوات المسلحة المصرية، وحصل على الدكتوراه من إنجلترا، ثم توفي في ظروف غامضة.

 

وقد ظهرت بعد وفاته روايات تربط رحيله بعملية اغتيال، بينها روايات تتهم الموساد، إلا أن وصف الواقعة بأنها عملية اغتيال مثبتة يحتاج إلى دليل قضائي أو وثائق رسمية حاسمة.

 

جمال حمدان.. وفاة عالم تركت أسئلة مفتوحة

 

في 17 أبريل 1993، عُثر على جثة المفكر والجغرافي المصري الدكتور جمال حمدان داخل شقته بالقاهرة، وقد تعرض الجزء السفلي من جسده للحروق.

 

وأثارت وفاته منذ ذلك الوقت كثيرًا من التساؤلات، خصوصًا مع ما أثير عن أعمال كان يعدها قبل رحيله، من بينها دراسات تتناول إسرائيل والصهيونية.

 

وقد تناولت مصادر صحفية روايات تتحدث عن احتمال تعرضه للقتل،

كما أشارت إلى اختفاء بعض أوراقه وأعماله، لكن هذه الروايات لا تكفي وحدها لإثبات مسؤولية جهاز استخباراتي بعينه.

 

سلوى حبيب.. رواية تحتاج إلى وثائق

 

وتتداول بعض المصادر رواية عن مقتل الباحثة المصرية سلوى حبيب، وربطت بين وفاتها وكتابها حول التغلغل الصهيوني في أفريقيا.

 

لكن هذه الواقعة تحديدًا تحتاج إلى توثيق مستقل من سجلات رسمية أو مصادر تاريخية موثوقة قبل تقديم اتهام محدد بشأن الجهة المسؤولة عنها.

 

وهنا تأتي أهمية الفصل بين التاريخ الموثق والرواية المتداولة؛ لأن قوة القضية لا تأتي من قوة الاتهام، وإنما من قوة الدليل.

 

مصر للطيران 990.. حادث مأساوي ونظريات متعددة

 

ومن الملفات التي دخلت أيضًا في دائرة نظريات المؤامرة حادث طائرة مصر للطيران الرحلة 990،

التي تحطمت في المحيط الأطلسي في 31 أكتوبر 1999، ما أدى إلى وفاة جميع من كانوا على متنها وعددهم 217 شخصًا.

 

لكن تقديم الحادث باعتباره هجومًا صاروخيًا إسرائيليًا أمريكيًا لا يتفق مع نتائج التحقيقات الرسمية المنشورة.

 

فقد خلص المجلس الوطني الأمريكي لسلامة النقل إلى أن السبب المرجح للحادث

كان خروج الطائرة من نمط الطيران الطبيعي نتيجة مدخلات تحكم من مساعد الطيار، مع الإشارة إلى أن سبب هذه الأفعال لم يتم تحديده.

 

وفي المقابل، أظهر التقرير المصري المقدم ضمن ملف التحقيق وجود خلافات فنية حول بعض عناصر التحقيق،

وذكر أن الأدلة لم تكن كافية لتحديد مجموعة واحدة من الأحداث باعتبارها سبب الحادث.

 

وهنا مرة أخرى يجب التفريق بين وجود أسئلة فنية حول التحقيق وبين إثبات فرضية الصاروخ.

 

شائعة علماء سوريا.. عندما تتحول المخاوف إلى معلومات مضللة

 

ومن أحدث الأمثلة على خطورة تداول المعلومات دون تحقق، ما انتشر عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 بشأن اغتيال عدد من العلماء السوريين.

 

وتداولت منصات التواصل أسماء مثل شادية حبال وحمدي إسماعيل ندى وزهرة الحمصية، مع روايات تتحدث عن اغتيالهم والاستيلاء على أبحاثهم.

 

لكن التحقق من هذه الادعاءات كشف أنها غير صحيحة.

 

فالعالمة السورية الأمريكية شادية رفاعي حبال نفت بنفسها خبر مقتلها، وأكدت مصادر تحقق مستقلة أنها كانت على قيد الحياة وتقيم في الولايات المتحدة.

كما تبين أن حمدي إسماعيل ندى، الذي ظهرت صورته ضمن تلك الادعاءات، طبيب مصري حي،

بينما لم تجد عمليات التحقق معلومات موثوقة تثبت وجود عالمة باسم «زهرة الحمصية» بهذه المواصفات.

 

وهذه الواقعة تحديدًا تقدم درسًا مهمًا: ليس كل ما يُنشر عن اغتيال عالم أو باحث يمكن تحويله تلقائيًا إلى حقيقة سياسية أو أمنية.

 

لماذا استهداف العلماء؟

 

السؤال الأوسع من أسماء الضحايا هو: لماذا تصبح المعرفة العلمية نفسها جزءًا من الصراع بين الدول؟

 

التاريخ يثبت أن العلوم المرتبطة بالطاقة النووية والفضاء والتكنولوجيا العسكرية والاتصالات الاستراتيجية تحمل قيمة أمنية وسياسية كبيرة.

 

ومن الطبيعي، في ظل الصراعات الدولية، أن تحاول الدول حماية تفوقها العلمي والتكنولوجي،

وأن تسعى إلى منع خصومها من امتلاك قدرات يمكن أن تغير موازين القوى.

 

لكن الانتقال من هذه الحقيقة العامة إلى اتهام دولة أو جهاز استخباراتي بتنفيذ كل حادثة وفاة أو اختفاء يحتاج إلى دليل مستقل لكل واقعة.

 

بين الحقيقة والأسطورة.. المعركة الحقيقية على العقل

 

ربما تكون القضية الأهم في كل هذه الملفات ليست فقط: من قتل هذا العالم؟

 

بل: لماذا لم تستطع المجتمعات العربية في كثير من الأحيان حماية علمائها،

وتوثيق إنجازاتهم، وحفظ أبحاثهم، وتحويل المعرفة الفردية إلى مؤسسات علمية قادرة على الاستمرار؟

 

فالعالم قد يرحل، لكن المشروع العلمي الذي أسسه لا ينبغي أن يرحل معه.

 

وهنا تصبح حماية العلماء والباحثين، وإنشاء المؤسسات العلمية القوية، وحفظ الأبحاث والوثائق،

وتمويل البحث العلمي، وربط الجامعات بالصناعة والدولة، جزءًا من الأمن القومي بالمعنى الواسع.

 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة ليس فقط أن تفقد عالمًا، وإنما أن تفقد المعرفة التي كان يحملها، ثم تفشل في صناعة جيل جديد يكمل الطريق.

 

ولهذا، فإن ملف العلماء العرب الذين رحلوا في ظروف غامضة يستحق تحقيقًا تاريخيًا وعلميًا موثقًا،

بعيدًا عن المبالغة والأساطير، وقائمًا على الوثائق والسجلات وشهادات من عاصروا هذه الأحداث.

 

فالتاريخ لا يحتاج إلى اتهامات أكبر من أدلته، وإنما يحتاج إلى أدلة أكبر من الشائعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *