الطموح والرضا.. عندما يتحول الحلم إلى وحش يلتهم صاحبه
الأربعاء, أغسطس 12, 2026
الرئيسيةمقالاتطُمُوحٌ يَبْتَلِعُ صَاحِبَهُ..عندما يتحول الحلم إلى وحش يلتهم صاحبه
مقالاتمنوعات

طُمُوحٌ يَبْتَلِعُ صَاحِبَهُ..عندما يتحول الحلم إلى وحش يلتهم صاحبه

طُمُوحٌ يَبْتَلِعُ صَاحِبَهُ

 

بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة

 

كيف يتحول الحلم من جناحٍ إلى فم؟ يا عزيزى الحياة لا تخوننا.

نحن الذين ندخل إليها أحيانًا بميزانٍ مكسور. منذ الصغر قيل لنا: اسعَ، تعلّم، انجح، كن أفضل.

فكبرنا ونحن نظن أن الحياة سلّمٌ طويل، وأن السعادة تجلس دائمًا فوق الدرجة التالية.

درجة بعد درجة.
بيت بعد بيت.
مال بعد مال. حتى أصبحنا نعيش على كلمة واحدة: بعد.

سنفرح… بعد.
سنرتاح… بعد.
سنشعر أننا نجحنا… بعد.
لكن كل «بعد» تحولت إلى «بعد أخرى».

وهكذا صار المستقبل حيوانًا أسطوريًا نطارده، وكلما اقتربنا منه نمت له أجنحة جديدة.

لم نعد نطارد الحلم. صار الحلم هو الذي يطاردنا. وهنا يبدأ الطموح في التحول. في البداية كان الطموح جناحًا.
ثم صار محركًا.
ثم صار سوطًا.

فالطموح جميل حين يقول لك:
انهض. لكنه يصبح وحشًا حين يقول: لماذا لم تصل بعد؟

الطموح الجميل يقول: سأحاول.
أما الطموح المريض فيقول:
يجب أن أصل.

وهناك فرق بين أن تحلم بحياة أفضل، وبين أن تعلن الحرب على حياتك الحالية.

الأولى طموح. والثانية جحود متنكر في هيئة طموح.

لقد صنعنا في رؤوسنا سوقًا لا يغلق. سوقًا غريبًا لا تُباع فيه الأشياء فقط، بل تُباع فيه التوقعات.

كل صباح تصل شحنة جديدة:
بيت أكبر.
راتب أكبر.
سيارة أجمل.
حب أكثر.
تصفيق من العالم.

ثم نعود إلى بيوتنا فننظر إلى ما لدينا بعينٍ لا ترى إلا ما ينقص.

وهنا تبدأ المأساة. ليس الفقر دائمًا أن تكون يدك فارغة. أحيانًا يكون الفقر أن تكون يدك ممتلئة، لكن عينك لا ترى إلا ما فى يد الآخرين.

نقارن كواليس حياتنا بالمشهد الأخير في حياة غيرنا.

ثم نتساءل: لماذا تأخرت أنا؟
فهل الحياة وقّعت معنا عقدًا سريًا، تعهدت فيه أن تمنحنا ما نريد في الموعد الذي حددناه نحن؟!

الحياة لم توقّع شيئًا. نحن الذين كتبنا العقد. ثم حاكمناها به.

تخيلوا مدينة غريبة لا تنام. في وسطها برجٌ ضخم اسمه: وزارة الأمنيات المؤجلة.

هناك يجلس موظف عجوز أمام شاشة لا تعرض إلا كلمة واحدة:
التالي.
يدخل رجل.
يقول: وصلت.
يرفع الموظف رأسه: إلى أين؟
— إلى ما كنت أريده.
— وهل فرحت؟
يصمت الرجل. ثم يقول:
— قليلًا.
— ولماذا؟
— لأنني رأيت ما هو أبعد.

يبتسم الموظف، ويضغط زرًا.
فتظهر أمام الرجل لافتة ضخمة:
مبروك… لقد تم تحديث حلمك.

يسأل الرجل: وماذا أفعل الآن؟
يجيبه الموظف: تطارد الحلم الجديد.
— ومتى أرتاح؟
ينظر إليه الموظف بدهشة: الراحة ليست ضمن الخطة.

فيخرج الرجل من الباب. وحين ينظر خلفه، يكتشف شيئًا مرعبًا:
أن المكان الذي ركض إليه لسنوات كان هو نفسه المكان الذي خرج منه.

نحن كائنات عجيبة، نعتاد النعمة بسرعة مذهلة. الشيء الذي بكينا كي نحصل عليه، يصبح بعد أيام شيئًا عاديًا.

العلم قد يسمي هذا تكيفًا. والفلسفة قد تسميه رغبةً تلد رغبة.
لكن السريالية وحدها تستطيع أن ترسم المشهد كما هو: إنسان يجلس على مائدة عامرة.

أمامه خبز وماء وثمر وضوء وأهل
وذكريات. لكنه لا يأكل. لأنه مشغول بالنظر إلى صورة مائدة أخرى معلقة على الحائط.

وفي أسفل الصورة مكتوب: ربما هناك سعادتك. فيترك مائدته.
ويركض وراء الصورة. حتى يكتشف بعد سنوات أن الصورة لم تكن نافذة. كانت مرآة. وأنه كان يطارد نفسه طوال الوقت.

وهنا يصبح السؤال الفلسفي أكثر قسوة: هل نحن نريد الأشياء فعلًا؟ أم نريد الشعور الذي نتخيل أن الأشياء ستمنحنا إياه؟

هل نريد الحب؟ أم نريد أن يثبت لنا أحد أننا نستحق أن نُحب؟ هل نريد النجاح؟ أم نريد أن نسكت صوتًا قديمًا في داخلنا يقول: أنت لست كافيًا.

Let dreams be wings, not teeth that make us bleed,
For more is not the same as what we need.

وهذه أخطر نقطة. لأن الإنسان حين يجعل إنجازاته علاجًا لجرحٍ داخلي، لن يشبع. سيحتاج دائمًا إلى إنجاز جديد. ومدح جديد.

لذلك فالرضا ليس عدو الطموح.
بل هو حارسه.

الرضا يقول اطمح… لكن لا تجعل طموحك يكرهك في نفسك. اسعَ إلى القمة. لكن لا تحتقر الوادي الذي أنقذك من السقوط.

اطلب المال. لكن لا تجعل رصيدك المصرفي هو الرصيد الوحيد لقيمتك.

ابحث عن الحب. لكن لا تطلب من إنسان آخر أن يحمل عنك كل نقصك.

ربما أعظم حرية يمكن أن يصل إليها الإنسان ليست أن يحصل على كل ما يريد. بل أن يتحرر من ضرورة الحصول عليه.

هذه هي المسافة الدقيقة بين الطموح والافتراس. فالطموح الذي لا يعرف الرضا يتحول في النهاية إلى آلة. تضع فيها إنجازًا…
فتطلب إنجازًا. حتى تضع فيها حياتك كلها… فتأكلها.

الحياة ليست بخيلة، لكننا حين
نطلب منها النجاح، فلابد أن تأخذ أعصابنا. نطلب منها المال، فتأخذ وقتنا. نطلب منها الشهرة، فتأخذ خصوصيتنا.

هل عرفت لماذا أنت متعب؟ لأنك لم تعد تحمل حلمًا. أنت تحمل وحشًا.

لا تقتل طموحك. فالحياة بلا طموح غرفة بلا نافذة. لكن لا تطلقه في داخلك بلا قيد.

علّمه أن يعرف كلمة: كفى. علّمه أن يرى النعمة قبل أن يحصي النقص. فبعض التأخير حماية.

وفي النهاية… ابتسم وافهم أن الطموح جناح… لكن حين ننسى أن لنا قلبًا يحتاج إلى الراحة، يتحول الجناح إلى فم يلتهمنا.

Chase every star, but let your heart know when,
To whisper, “This is enough,” and live again.

 





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *