قَصِيدَةُ التَّقْسِيطِ
The Installment Poem
بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
قالوا: هذا عصرُ السُّرعةِ… قلتُ: بل عصرُ الأقساطِ الطويلةْ، نستأجرُ أعمارَنا… ونُوقِّعُ للغدِ شيكاتٍ مجهولةْ.
في بنكِ الزمانِ… حساباتُنا مفتوحةٌ للغياب، والفوائدُ تُقتطعُ من نبضِ القلبِ… قبل أن يكتملَ الشباب.
رأيتُ الوقتَ… يبيعُ ساعاتِه في مزادٍ أعمى، وكلُّ دقيقةٍ ترتدي ربطةَ عنقٍ سوداء، وتجرُّ خلفَها نعشَ أمنيةٍ لم تولدْ بعد.
ورأيتُ الساعةَ تكتبُ عقدَ زواجي من الغياب، ثم تُنجبُ أطفالاً… وجوهُهم إيصالاتٌ مختومةٌ بالشمعِ والحساب.
Time signed my name in invisible ink,
Each unpaid dream was too afraid to think.
قال سقراطُ: “اعرفْ نفسكَ.”
فقلتُ: كيفَ أعرفُها… وقد رهنتُها في أولِ إعلانٍ كتبَ: “ادفعْ لاحقاً…”
كلما نظرتُ في المرآة، وجدتُ وجهاً آخرَ ما زالَ البنكُ يحتفظُ بأصلِه.
وقال شوبنهاورُ: بين الألمِ والضجرِ يتأرجحُ الإنسان.
فوجدتُ التقسيطَ أرجوحةً صدئةً، يدفعُها الوهمُ للأمام، ويُعيدُها القلقُ إلى الخلف.
والمصرفُ العجوزُ يشربُ قهوتَه من جماجمِ السنين، ويعدُّ أنفاسَنا كما يعدُّ الصحراءُ حبَّاتِ الرمل.
حتى رأيتُ جيبي يأكلُ يدي، ثم يطلبُ مني قسطاً جديداً لشراءِ اليدين.
وسألَ نيتشه: “لِماذا تعيش؟”
فأجبتُ: لأدفعَ… ثم أدفعَ… ثم أدفعَ…
حتى نسيتُ أن الحياةَ ليستْ فاتورةً ولا الإنسانُ رقماً في دفترِ التحصيل.
Coins bought the clock, but never bought the dawn,
We paid for tomorrow… till today was gone.
وقال جبران: “العطاءُ أن تمنحَ من نفسِكَ.”
لكننا… صرنا نبيعُ أعمارَنا ثمناً لوهمٍ أنيق، ونشتري ابتسامةً صُنعتْ في مصنعِ الإعلانات، ثم نبكي حين نكتشفُ أن الضحكَ كان بالتقسيطِ أيضاً.
نؤجلُ الأحلامَ… ونعلِّقُها على شماعةِ الشهرِ القادم.
نقولُ:
“بعدَ آخرِ قسطٍ… سأسافر.”
“بعدَ آخرِ قسطٍ… سأضحك.”
“بعدَ آخرِ قسطٍ… سأعيش.”
لكنَّ القسطَ الأخيرَ كان أكثرَ دهاءً منَّا… فقدْ أجَّلَنا نحنُ أيضاً.
قال أفلاطون:
“نحنُ في كهفِ الظلال.”
فنظرتُ… فإذا الكهفُ قد صارَ مركزاً تجارياً عظيماً،
والظلالُ تجرُّ عرباتِ التسوُّق،
والنورُ يقفُ عندَ البابِ حارسَ أمنٍ لا يملكُ بطاقةَ دخول.
وكانتِ اللافتاتُ تصرخُ في الوجوه:
“اشترِ الحلمَ… وادفعْ عمركَ لاحقاً.”
وقال الرومي:
“الجرحُ… بابُ النور.”
لكننا فتحنا بابَ الدَّين،
فدخلتِ الفواتيرُ، وخرجتِ الأغاني.
وصارتْ نوافذُ القلبِ تُفتحُ بمفتاحِ الصرَّافِ الآلي.
The wound knew light, the debt knew none,
It stole the stars before the sun.
وسألَ سينيكا:
“أغنيٌّ أنتَ بما تملك، أم بما تستغني عنه؟”
فنظرتُ إلى خزانتي…
كانتْ ممتلئةً بأشياءَ لم أجدْ وقتاً لأحبَّها.
وكان الفراغُ هو الشيءَ الوحيدَ الذي لم أستطعْ شراءَه.
ونادى كنفاني:
“لا تجعلْ جدارينِ يسرقانِ الأفق.”
لكنني رأيتُ التقسيطَ يبني حولَ الإنسانِ اثني عشرَ جداراً…
كلُّ شهرٍ طوبةٌ،
وكلُّ قسطٍ نافذةٌ تُفتحُ على قفصٍ جديد.
ثم رأيتُ…
الوقتَ يجلسُ خلفَ موظفِ الحسابات،
والعمرَ يحملُ رقماً وطنياً،
والأحلامَ تقفُ في الطابورِ خلفَ الفواتير.
ورأيتُ طفولتي تسألُ الموظفَ:
“هل بقيَ من أبي شيءٌ بعدَ السداد؟”
فأشارَ إلى ورقةٍ بيضاء، وقال:
“بقيَ توقيعُه.”
No chains were forged, no prison wall—
Just little bills that conquered all.
وجاءَ الموتُ…
لا يحملُ منجلاً…
بل آلةً حاسبةً وشاشةً صغيرةً تومضُ بالأرقام.
ابتسمَ وقال:
“لا تخف…
لقد دفعتَ كلَّ شيءٍ…
إلا نفسَك.”
فتحتُ آخرَ إيصالٍ…
فلم أجدِ المبلغَ،
ولم أجدِ التاريخَ،
ولم أجدِ اسمي.
وجدتُ طفلاً يرسمُ شجرةً تنبتُ منها ساعاتٌ، وتتساقطُ منها أعمارُ الرجال.
ووجدتُ مرآةً تعكسُ وجهي كما كان قبلَ أولِ توقيع.
وفي آخرِ الورقةِ سطرٌ صغيرٌ بخطٍّ لا أعرفُه:
“شكراً… لقد قسَّطتَ عمرَكَ، ودفعتَه كاملاً.”
أغلقتُ الإيصالَ…
وأغلقتُ معه البابَ الذي كان يدخلُ منه الخوف.
ثم قلتُ للبائعِ وللزمنِ ولنفسي:
لن أشتري ما يبيعُني.
ولن أوقِّعَ عقداً يكونُ فيه عمري هو الثمن.
ومضيتُ…
خفيفاً…
كأنني أولُ إنسانٍ اشترى حريتَه…
نقداً.


